الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٠٧من عمله مثبتا إلا حسناته؛ لأنها مكرمة مرفوعة مطهرة.
والمسيء على العكس من هذا إن أصر على ما فعله فأكفره؛ لأنه محبوط العمل، مأخوذ بجميع الزلل، أو ليس هذا بالحق وأعماله كلها هباء لا وزن لها في الآخرة، فكيف يجوز أن يكون من حقه أن يجزى بالخير ولما يبق له منها إلا الشر الموجب في بقائه، لما في طيّه من الضير؟ هذا ما لا يجوز أن يكون لمن يلاقي ربه غير مجرد النفس طاهر من كل قذى، داع في كونه إلى ما به من ردى، أما كان في بينات الفرقان الذي أنزله تعالى بالحق على عبده النبيء المصطفى فأرسله به إلى كافة الخلق المتعبدين من الجن والإنس أجمعين، لما أراده من البيان ما به في هذا يكتفي أولا؟ أتقولون نعم في موضع بلى؟ والحق أوضح من نار على علم، والشيء في نفسه، ما لا جواز له فيعم من الأعمال ما يكون من أنواع جنسه.
فإن احتج فقال: أوليس الكريم إن وعد وفى أو توعد فعفا لم يزدد إلا شرفا؛ [لأنّ العرب](1) تنتجح(2) مفخرة به فتمتدح، وتثني على من فعله تارة /190/ في شعرها، وأخرى فيما يكون من نثرها؛ فلهذا جاز على أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، لكثرة جوده، وسعة رحمته، أن ينجز وعده، ويبطل وعيده؛ لأنهما من الصفات الحميدة، فهو الأحق بمثلهما من الخلق، قيل: بلى في موضع جوازهما على رأي أو في دين لمن فعلهما لما نواه من قبل المصلحة في الدنيا أو الأخرى أو لما بدا له من بعد فرأى أن هذا أصلح فهو به أحرى، لا في موضع تحريمهما، فإنه ليس له إلاّ أن يتركهما، وعلى العكس من هذا في موضع لزومهما، وإن كان ما