الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٣٨ما دون الشرك على قسمين: صغائر وكبائر، ولا قائل بحكم الغفران للكبائر حكما بتا، وجب صرف الآية إلى الصغائر التي يقطع بغفرانها، وإنما علق المشيئة بالمغفور له من حيث يغفرها لفريق دون فريق أعني الصغائر؛ لأنّه /203/ إنمّا يغفرها لمجتنب الكبائر على شرط الكتاب والإجماع، على أن ظاهر الآية يقتضي غفران أصناف الكفر إذا لم يكن شركًا بالله من طريق اللغة؛ وإذا جاز إخراج الكفر الذي ليس بشرك وتخصيصه من جملة ما دون الشرك بدليل جاز مثله في الكبائر.
ووجه آخر: وهو أنه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾، علق المشيئة بالمغفور له، فيجوز ألا يغفر ذلك لأحد من ذنبه دون الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة:18] الآية، وقد شاء أن لا يغفر لواحد منهم تفضلا، وقال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:24]، ولا يشاء الغفران لهم تفضلا.
ووجه آخر وهو أن الله تعالى اشترط المشيئة في وعيد الكافرين، ثم علّق وعيدهم بالمشيئة في قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾، وقال أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:53]، وقال أيضا حاكيا عن عيسى - عليه السلام -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:118]، وقال في شأن اليهود: ﴿بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾، وقال في المنافقين: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ فجميع هذه الآيات [محمول حكمها على ما وردت من