الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٤١وبعد: فإن الغفران في الآية بمعنى ترك العقوبة وتأخيرها، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:14]، يعني يكفوا عن قتالهم.
ومن ذلك تعلّقهم بقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم - عليه السلام -: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم:36].
الجواب: إن هذا كلام مجمل يحتاج إلى شرائط استغنى عن ذلك للمعرفة به، ويدل على ذلك أن من عصى إبراهيم فهو كافر، وذلك بعد قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:36]، ولأن النبي إنما يعصى بترك القبول منه، وجحود ما أتى به، ولا مغفرة للكبائر إلا بشرائط من إنابة ورجوع.
ومن ذلك تعلقهم بقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:102]، وقد أجمعوا على أن عسى من الله واجب، ولا يجوز أن يخبر بها على طريق الشك.
الجواب: هو أن أول ما في هذا أنه: إذا كان عسى واجبا من الله فإنه يجب القطع بالغفران، وترك الشك، وتجويز الأمرين، وفي ذلك هدم الإرجاء. فأما تأويل الآية هو: إن الاعتراف بالذنب بعد الذنب لا محالة، فالله تعالى أخبر عن قوم أذنبوا ثم تابوا واعترفوا بذنوبهم، فوصف الله حالهم بأنهم قوم خلطوا عملا صالحا وهو التوبة، وآخر سيئا وهو الذنوب التي اعترفوا بها، وإذا كان كذلك فواجب أن يتوب عليهم ويغفر لهم، ومتى ما حمل الآية على هذا أمكن إجراء "عسى" على كونه واجبا، فالآية ناطقة بمخالفة مذهب القوم، إذ هم يجوّزون كلا الأمرين، والآية تقطع بالمغفرة دون الآخرة ويقال لهم: أرأيتم إن استدل