الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٥٠موازينه ومن كان مسيئا بأن كان كافرا أو فاسقا؛ فإنه ليس معه عمل يقبل ويجازى عليه بالخير، وأنه يخف ميزانه؛ لأنه متى لم يوضع في الميزان شيء فإنه يخف، ألا ترى أنه قال: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:105]، فأخبر أنه لا يوزن لهم شيئا أصلا، ولم يقل: إن سيئاته ترجح على حسناته؛ لأن أعماله محبطة، والمحبط لا يوزن أصلا.
وأصح الأقاويل في الميزان أنه العدل لقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:47]، فبيّن أن موازينه العدل؛ لأن قوله: ﴿الْقِسْطَ﴾ ليس بوصف للميزان إنما هو بدل عنه، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ على الجميع، وقال في خلافه: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾؛ أي: لا عمل له مقبول، كما قال تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:18]، فبيّن أن الناجي من عمِل أعمالا بقيت له وحصلت فائدته، وأما الهالكون فمن لا حاصل لعمله ولا جزاء، كما قال تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾؛ فالميزان هو إقامة جزاء الحسنة والسيئة، على ما يجب في العقل ونقيضه العدل، والموازنة في اللغة المعادلة والمساواة، ومقابلة الشيء بوزنه من الجزاء، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر:19]؛ أي: على المقدار الذي يجب أن يكون عليه في الحكمة، يقال: فلان أوزن عقلا من فلان وأرجح علما منه.
قال الشاعر:
إن يوضعوا أبائي في ميزانهم … رجحوا وشال أبوك في الميزان
ذهب فيه إلى قصور منزلته من منزلتهم في الفضل، ليس أن هناك ميزانا في الحقيقة.