الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٥٦من يأتي بالحسنة وهو بر تقي، بقي قوله: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل:89] فيمن يجيز بها في إحدى الحالين، وذلك مما يحتمله اللفظ، وإذا جعلت آية الحسنة عامة ارتفع حكم آية الوعيد، فلم يبق لها معنى يتعلق به وأبطلها ورفع حكمها بغير دليل، وهذا لا يصح بل يفسد.
ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:89]، وهذه صفة من لا كبيرة معه، إذ الخوف غير زائل عن صاحب الكبيرة.
وفي جواب آخر: وهو أن الحسنة المذكورة في الآية الإيمان المأمور به، وهو جملة الفرائض، ولذلك دل عليه بالألف واللام اللتين للتعريف، ولو أراد حسنة واحدة لجاءت على سبيل النكرة، ولم يكن جائِيا بها من فعل كبيرة يحبطها، ويبطل ثوابها، بدلالة أنه لو استحقها، وأتى بجميع ما لزمه سوى تحريمها ما استحق الثواب على شيء من حسناته، لإحباطها إياها، وإنما الجائي بها من أفردها عما يستحق من أجلها إحباطها، فإن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82].
وجواب آخر: وهو أن الحسنة إما أن يراد بها جميع ما هي حسنة من إيمان وطاعة وفرائض أو يراد بها معلوما معهودا، لأن الألف واللام لا يؤتى بها إلا لأحد هذين، فإن كان يراد بهما جميع الطاعات(1) دخل فيها ترك الكبائر أجمع، فكأنه قال: "من فعل جميع الطاعات واجتنب جميع الكبائر"، ولا خلاف أن من هذا حاله مثاب، وأن له عشرة أمثالها، وإن أراد به التعريف لم يقع إلا على
(1) هذا في ث. وفي الأصل: الحسنات.