الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٥٧الإيمان الذي هو مشتمل على جميع الطاعات واجتناب الكبائر، فكأنه قال في كلا الوجهين: من جاء بالطاعات أجمع مجتنبا للكبائر فله خير من ذلك.
ويقال لهم: أتقولون أن كل من أتى بحسنة فله خير منها، جمع إليها /210/ ما كان من كفر وكبائر، أم هو مخصوص في فريق دون فريق أو المعنى من جاء بالحسنة ولم يبطلها؟ فإن قال: بالأول، وجب عليه أن يقول بثواب الكافر وجميع الناس؛ لأن جميعهم لا يخلو من الإتيان بشيء من الحسنات، قل أو كثر. وإن قالوا: بأحد القولين الآخرين، ولا بد منه، سقط تعلقهم، ورجعوا إلى قولنا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7]، قالوا: وهو عموم، فلو كان بعضهم لا يرونه لأدّى إلى الكذب، معارضته الكافر الذي قد آمن والمرتد يجب إذًا أن يرى كل واحد منهما جزاء كفره وإيمانه، فمهما أجابوا في ذلك فهو جواب لهم.
ويقال لهم: أليس أحد يدخل الجنة وقد عمل كبيرة تاب منها، وصغيرة غفرت له إلا وهو يراها مغفورة؟ وليس أحد يدخل النار وقد عمل طاعة أحبطتها كبيرة أو كفر، إلا وهو يراها محبطة لتكون حسرة عليه، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:167] الآية.
وبعد: فإن قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، مشروط بأن لا يكون قد أحبطها بدليل المرتد، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8]، وإذا كان كذلك سقط التعلق، على أن قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾؛ فهو استعارة، وذلك لأنه يريد أن يرى غير ما عمل، إذا كثر ما عمل، لا يرى كالكفر وغير ذلك، ولأنها أعراض لا يجوز عليها