الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٤عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:179]، وقال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:237] "وإن تعفو فهو خير لكم"(1)، والمراد لمن جاء طالبًا للعفو، والمعتدى عليه قادرٌ للزّجر والأدب، وإلاّ كان ذلك ممّا يؤدّي للسّفهاء الجرأة(2) والظّلم للنّبلاء؛ والعافي على هذا ليس مِن الصّفات المحمودة، بل هي من أشدّ صفات الذّم؛ فصحّ أنّ هذه الصّفة لذات الله ليست مِن الصّفات المحمودة؛ وأنّه تعالى مُنَزّه عن ذلك، ومُنَزّه عن خلف الوعيد لكلّ من توعّده؛ لأنّه ممّا يؤدّي إلى فتح أبواب الجرأة على عصيانه، وعصيان أُولي الأمر مِن أوليائه مِن العلماء والأمراء والقضاة؛ فيجوز إبطال وجوب الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر؛ لِمَحمدة العفو عن الآتين المنكر، التّاركين الواجب مِن المعروف إذا كان العفو محمودا على الإطلاق في صفات الله، وفي صفات النّاس؛ وهذا باطل لا يقول به إلا ممسوخ العقل.
وقال الرّازي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ الآية [آل عمران:21]، ومن التّفسير: روي عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: قلت يا رسول الله؛ من أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيّا أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف» وقرأ هذه الآية، ثمّ قال: /21 م/ «يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا مِن أوّل النّهار
(1) إن كان المقصود به آية قرآنية؛ فلا وجود لها في المصحف، وأقرب لفظ إليها: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن:14].
(2) هذا في ث. وفي الأصل: الجزاه.