الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٤٦الآيات الدّالة على عِظَم الثّواب للأبرار؛ فهذا ينبغي أنّ مَن أنفق ما أحبّ وصل إلى الثّواب العظيم، وإن لم يأت بسائر الطّاعات، وهو باطل.
وجواب هذا الإشكال: أنّ الإنسان لا يُمكنه أن ينفق محبوبه إلاّ إذا توسّل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف مِن الأوّل؛ فعلى هذا؛ فالإنسان لا يمكنه أن ينفق الدّنيا في الدّنيا، إلاّ إذا تيقّن سعادة الآخرة، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلاّ إذا أقرّ بوجود الصّانع العالم القادر، وأقرّ بأنّه يجب عليه الانقياد لتكاليفه، وأوامره ونواهيه؛ فإذا تأمّلت علمت أنّ الإنسان لا يمكنه إنفاق الدّنيا في الدّنيا، إلاّ إذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة في الدِّين.
وللمفسّرين في البِرِّ قولان: أحدهما: ما يصيرون به أبرارا، حتّى يدخلوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار:13]؛ فيكون المراد بالبرّ ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة. والثّاني: الثّواب والجنّة.
قال الشّيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي: وهذا كلّه حجّة على الرّازي لا له؛ لأنّه يوجب وجود الثّواب لفسقة المؤمنين بِنَفس الإيمان بغير عمل الصّالحات الذي هو نفس الإسلام وحقيقته، وذاته وعينه ومعناه، وهاهنا قال بخلاف ذلك؛ لأنّ الإيمانَ في أعمال /22 م/ البرِّ مذكورٌ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجميع ما ذكره بعد ذلك؛ قال: لم يكفه ليكون من الأبرار الذين لهم النّعيم في الآخرة، حتّى ينفقوا ممّا يحبّون، أي: حتّى يستكملوا أداء جميع الخصال الواجبة عليهم، وترك المحجور عليم، والله أعلم.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97]، أي: ولله على النّاس، يعمّ المؤمن والكافر، وعدم الإيمان لا يصلح معارضا ومخصّصا لهذا