الجزء 59
الجزء ٥٩ · صفحة ٣٤٩قد يزني بغير زانية، كالصبية والمجنونة والمغلوبة على عقلها بالنوم، علمنا أن هذا الخطاب لم يرد به ما قال مخالفونا؛ لأن العموم إذا ورد ولم يرد تخصيص منه بدليل؛ فالواجب إجراؤه على عمومه، ولو خصصنا هذا العموم وحملناه تخصيصا؛ كنا قد أخبرنا على أخبار الله تعالى الكذب؛ لأن مخالفينا ذهبوا إلى أن هذا الخطاب إنما هو إخبار، فلو كان خبرا، لم يكن صدقا؛ لقيام الدليل على خروج بعض ما تضمنه الخبر، وليس بمنكر في اللغة أن يرد الخطاب ورود الخبر في الظاهر، والمراد به الأمر، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228]، فظاهر هذا خبر، والمراد به الأمر والإلزام. وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:65] فظاهره ظاهر الخبر عن كون الغلبة عند القتال، والمراد بذلك الغرض والإلزام، ومثل هذا في القرآن كثير. فقوله: ﴿لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:3] نهي عن تزويج /194 م/ غير الزانية؛ ويدل على ذلك قوله - عز وجل -: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:3]، يعني: هذا المذكور والله أعلم، بأن هذا وذلك معناهما واحد في اللغة.
فإن قال قائل: ما تنكرون أن يكون معنى قوله - عز وجل -: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:3] لا يريد به ما ذهبتم إليه وذلك أن الرجل لو زنى في غيبة زوجته أو زنت، فلم يعلم زوجها، لم تقع الحرمة بينهما عندكم، فما أنكرتم أن لا يتوجه حكم الآية إلى ما ذهبتم إليه، ولو كان تأويلكم صحيحا لوجب أن يلزم من زنى من الزوجين أن يحرم على الآخر عند نفسه؛ لأنه قد حرم بفعله الزنى أن يكون من المومنين؟ قيل له: قد أجمعت الأمة أنها لا تحرم عليه زوجته، ولا يحرم