الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٥٣سكونه من أهل الذمّة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه قتل العمد مقرونًا بالوعيد، فلو كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا اختصّ بالمسلمين، كان بيان حكم القتل العمد، الذي هو كالضدّ لقتل الخطأ، وجب أيضا أن يكون مختصّا بالمؤمنين؛ فإن لم يختصّ بهم، فلا أقلّ من دخولهم فيه.
الثّاني: إنّه تعالى قال بعد هذه الآية: /25 م/ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النّساء:94]، وأجمع المفسّرون أن هذه الآيات إنّما نزلت في حقّ جماعةٍ من المسلمين، لقوا قومًا فأسلموا، فقتلوهم، وزعموا إنّما أسلموا مِن قِبَل الخوف، وعلى هذا التّقدير؛ فهذه الآيات وردت في نهي المؤمنين الذين يظهرون الإيمان، وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النّساء:93] نازلاً في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين، حتّى يحصل التّناسب؛ فثبت ما ذكرناه أنّ هذه الآية وما بعدها، يمتنع مِن كونها مخصوصة للكفّار.
الثّالث: ثبت في أصول الفقه أنّ ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الوصف له علّة لذلك الحكم، وبهذا الطّريق عرفنا أنّ قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة:38]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور:2]؛ الموجب للقطع هو السّرقة، والموجب للحدّ هو الزّنا؛ فكذلك هاهنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو هذا القتل العمد؛ لأنّ هذا الوصف مناسب لذلك الحكم؛ فيلزم كون ذلك الحكم معلّلا بشيء، إذا كان الأمر كذلك أينما ثبت هذا المعنى، فإنّه يحصل هذا الحكم، وبهذا لا يبقى لقولهم: "إنّ الآية مخصوصة بالكافر" معنى.