الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٧٠حرب النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان ذلك سواء ولا فرق فيه، ولابدّ لك من أحد هذين: إمّا أن يلزمهم الإقرار باللّسان، كما كان يلزم أهل الحرب، ويثبت لهم وعليهم من الأحكام ما كان ثابتا في أهل الحرب، من الإقرار والأحكام.
فإن قلت: لا ألزمهم ذلك في الأحكام، وألزمهم ذلك في الإقرار باللّسان؟ قيل لك: فهو قول مختلف، يؤفك عنه من أفك، وهذا أعجب وأشنع عندنا من قول الخوارج، إلا أنّه يواطئه في الشّبه؛ وذلك أنّهم انتحلوا الهجرة، وشرّكوا أهل القبلة، وألزموهم ما كان يلزم أهل حرب النّبي - صلى الله عليه وسلم - من السّباء، والغنيمة، وأجازوا نكاحهم، وموارثتهم، وأكل ذبائحهم، كذلك هذا المذهب عندنا، إن لم يكن أشنع في أصل المعنى؛ لأنّ أولئك ألزموهم شيئا دعوهم إليه، وساروا فيهم فيه، وحكموا عليهم به، أو ببعض أحكامه، وتأوّلوا فيه بعض ما /34 م/ تأوّلوا، وأنت ألزمتهم الدّعوة بعينها كلّها، وأسقطت عنهم الحكم كلّه بأسره، وحكمت فيهم بحكم أهل الإقرار بأسره، فعجائبك أعجب مِن عجائب الخوارج في هذا معنا، وعند مَن أبصر الحقّ، إن شاء الله تعالى.
وإن قال: لا يلزمهم ذلك في الدّعوة في الظاهر، أن ظاهر أمرهم قد ثبت لهم حكم الإقرار، وإنّما ذلك عليهم فيما بينهم وبين الله في حكم الإسرار؛ لأنّهم لا يسلمون عنده إلا بذلك؛ قيل له: فأنت على جملتك، وإذا كانوا لا يسلمون عند الله إلا بذلك؛ فكذلك لا يسلمون عند أهل دينه إلا بذلك، كما كانوا لا يسلمون عند النّبي وأهل دينه إلا بذلك، ولا يجوز ذلك أن يحكم فيهم بشيء من الأحكام، وتبرّئهم عن شيء من الأحكام، ولن يثبت ذلك معنا أبدًا، ولا مع أهل العلم؛ فإن شئت فألزمهم الأحكام والدّعوة، وإن شئت فأبرئهم من الدّعوة، وأثبتْ لهم الأحكام التي ثبتت لهم بثبوت حكم أهل الإقرار بالدّعوة