الجزء 60
الجزء ٦٠ · صفحة ٢٨٤لا يجوز للناس أن يتعلق كل واحد منهم بقول ما أبعده عن /239/ الصحيح، وأحراه بالإبعاد والطرح؛ لأنه في غاية البعد عما قال به في هذا أهل العلم والبصر، إذا لم يكن نرى له أشباها ينقاس بها في الأثر، كلا ولا ينساغ هذا في حكم النظر، إني لأخشى أن يكون هذا الإطلاق في القول بالمنع فتنة على كثير ممن يقف عليه من الضعفاء، الذين تكل أذهانهم عن استخراج الحق من مقالات القائلين في أمثال هذه الصور والوقائع؛ لأنه كان أقرب إلى التنطع، وكأنّه يشبه أن يكون خارجا من مذاهب أهل الحق من المسلمين؛ لأنه يقتضي المنع للناس من العمل بكل ما يراه من الرأي أعدل، مهما تباينت الآراء في الأعدل، وهذا ما لا يصح.
والصحيح من القول أن عليهم في موضع الاختلاف بالرأي أن يتعلق كل واحد بما يراه أنه أصوب، وإلى الحق أقرب، كما كان ذلك كذلك عليهم في القبلة للصلاة على التحري بها، والقصد لإصابتها عند عدم الأدلة عليها، وعلى هذا وأمثاله ينزل ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لوابصة: «استفت قلبك يا وابصة وإن أفتوك وأفتوك»(1)، وبهذا يدخل تحت حكم الآية إن عمل بما يعلم، فيكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بعد الوقوف على الأقاويل المتعارضة في الرأي، وكذلك مهما كان ذلك في الدين على موافقة الدين، والدين ما لا يختلف فيه، وإن اختلف فيه كان الحق في واحد، والمحق من وافق الحق في ذلك، والمبطل المخطئ له، كان ذلك منه في الدين برأي أو بدين، من أثر أو نظر أو عبارة أو سماع لخبر من واحد من البشر؛ لأن استفتاء العقول، واستعمال المعقول من قول
(1) تقدم عزوه.