الجزء 60
الجزء ٦٠ · صفحة ٢٩٩في الدين، كما عليه فيما لم يأت فيه قول، وكما عليه فيما لا يعلم فيه شيئا يبصر عدله، فإن لم يمكنه تحري الأعدل وأخذ به، وكأنه في مثل هذا قيل: إنّ عليه أن يجتهد، ولعله رأيه في طلب السلامة بجهده على مبلغ طاقته في العمل على الأعدل، كما كان يجتهد جابر بن زيد ? وغفر له، وليس عليه ما لم يستطع. ولا يستطيع من لم يكن له من ذات نفسه بصيرة يبصر بها أعدل الآراء، إلا التحري لأعدلها عند عدم المعبر له أو القدرة على بلوغه، وتلك غاية الجهد منه، وذلك من طاقته، وعليه ما أطاق عند لزوم ما أطاق من ذلك له للزوم العمل به.
وقد قال بعض: إن له ثم أن يأخذ بما أراد من رأي أهل العلم، والأول أصح لا سيما عند الجهل بأعلم القائلين وأفضلهم في الدين، وكذلك مهما كانوا على حال في كل حال. فانظر يا أخي في قول أهل العلم، وإلى قول هذا القائل كيف كان بينهما البون البين في الحق للناظرين أنه لأبعد من أمس، وخطؤه أبين من الشمس، وإنا لمن حيث التمسنا لقوله الوجه الحق في هذا الإطلاق بالمنع للناس على حال، لم نجد له إلى ذلك سبيلا.
وأما قوله في الجواب والأقاويل: "كل قول أصح من الآخر"، فكأنه محتمل الوجوه؛ لأنّه ينطوي على الدين والرأي جميعا، والله أعلم أرادهما، وأي شيء منهما يريد، أو أنه أرسل القول إرسالا على غير جزم قصد لشيء منهما، وذلك ممكن، أو قد يتكلم العمي الحيران بما لا يعلم، وينطق الهبيت(1) الملسوس
(1) كتب في هامش الأصل: الهبيت: الجبان الذاهب العقل.