قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 60

الجزء ٦٠ · صفحة ٣٠٤

مضطرب؛ لأن الآية ليست بدالة على ما قاله، بل كأنها منافية لما قال جزما؛ لأنه قوله موجب لاتباع الجمهور مطلقا كيف كان، وعلى أي وجه كان، والآية تقتضي في معرض الثناء والمدحة الاستماع للقول المختلف، ثم الاتباع لأحسن(1) ما قيل، مما فتح الله ويسر كان عليه الجمهور، أو الواحد(2) المشهور أو غيره، إذا بان له حسن قوله، وأبصر قوته على غيره مما سواه، ولو أبصر غيره، غير ما أبصر؛ لأن لكل أن يتبع أحسن ما أبصره أحسن عن بصر منه، من ذاته أو من غيره من أهل البصر، وسواء قال ذلك الغير جمهور أو غير جمهور، مشهور أو غير مشهور فكأنه سواء، وإنما هو من حيث بان له الحق كان معه، ومن حيث صح معه الأصح أخذ به، ولو كان ذلك في الرأي ممن يبصر وجه الرأي من رأي نفسه؛ لأن استحسان الأحسن من المختلف فيه بالرأي في الرأي نوع رأي واجتهاد، وهذا هو الصحيح لا غيره؛ لأنه محتمل خطأ الجمهور، كما يحتمل خطأ الواحد، ومحتمل ضعف قول الجمهور، كما أنه يحتمل ضعف قول الواحد، بل ربما كان الواحد أقوى نظرا في العلم من الجمهور، يدرك بنور غريزته(3) ما قد غابت عن الجمهور رؤيته، وكلت بصائرهم عن دركه، ألا وإن هذا لهو الغالب على العلماء من الناس؛ لأنهم وإن كانوا علماء وإليهم ينسب العلم، فإنه لبينهم البون الشديد، والفرق البعيد، والمستبصرون الذين صفت غرائزهم(4)، واستنارت بنور العلم الغريزي قلوبهم، ونظروا /257/ الصحيح بعين البصيرة، وباشروا أسرار

(1) هذا في ق. وفي الأصل، ث: الأحسن.

(2) هذا في ق. وفي الأصل: لواحد.

(3) هذا في ث. وفي الأصل، ق: غزيرته.

(4) هذا في ث. وفي الأصل، ق: غزائرهم.

٢٤٬٥٢٩ / ٣٦٬٧٥٥ الأصل المصوَّر ٢ م.ب.