الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ١٠٦طاعته كلّها إيمانا، و لم يجعل معصيته كلّها كفرا، كما أنّه جعل ترك كلّ معصية إيمانًا، ولم يجعل ترك كلّ طاعةٍ كفرًا.
مسألة: والنّوافل أيضا من دِين /52 م/ الله، وطاعته، وعبادته، واختلفوا فيها، هل هي مأمور بها أم لا؟ فقال بعضهم: إنّها مأمور بها، وهو أمر تحضيض(1) وترغيب، لا إيجاب وإلزام، والأمر بها مستخرج من النصّ، كقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:17] من أمثاله من القرآن؛ فاقتضى مدحه إيّاهم الأمرَ بها. وقال آخرون: إنّها مندوب إليها، وليست بمأمور بها؛ لقوله - عليه السلام -: «لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة، وعند كلّ وضوء»(2)، فصحّ لهذا أنّه أندبهم إليه، ولم يأمرهم به؛ لأنّ التّخلّف عن أوامر الله - عز وجل - يقتضي إيجاب عقابه؛ والنّوافل ليست كذلك، ولكنّها إيمان وطاعة وتقوى.
مسألة: في معنى البيتين؛ يقال: إنّ من ظنّ أنّ الإيمان الذي هو التّوحيد، ينجيه من عذاب الله - عز وجل - مِن غير أداءِ الفرائض، واجتنابِ المحارم؛ فقد خاب ظنّه، وخسر سعيه؛ وهو قول المرجئة الذين يزعمون أنّ الإيمان قول بلا عمل؛ وإنّما خلا(3) التّوحيد عندهم ليس بإيمان، ولا دين، ولا إسلام؛ وإنما هو تقوى وبر وإحسان وطاعة، في أمثال ما قدّمنا ذكره.
(1) في الأصل: تحصيص. ث: تخصيص. وفي لسان العرب: "الحَضُّ: الحَثُّ على الخير؛ ويقال: حَضَّضْت القوم على القتال تَحْضِيضًا؛ إِذا حَرَّضْتهم. لسان العرب: مادة (حضض).
(2) أخرجه الربيع، كتاب الطهارة، رقم: 86. وأخرجه دون قوله: «عند كل وضوء» كل من: أبي داود، كتاب الطهارة، رقم:47؛ والترمذي، أبواب الطهارة، رقم 22.
(3) هكذا في النّسختين.