الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ١٢٠ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:2،3]؛ فسمّاهم "مؤمنين"، وإن ارتكبوا كبيرة حيث قالوا ما لا يفعلون.
الجواب: وهذا على أوجه؛ أحدها: أن يكون الخطاب بقوله تعالى: ﴿آمَنُوا﴾ ليس من الإيمان الشّرعي، وإنما هو من اللّغة. وثانيها: أنّه يجوز أن يكون خطابًا على دعواهم، وقولهم أنّهم قد آمنوا؛ إذ معلوم أنّ جميع المؤمنين لم يقولوا ما لم يفعلوا. وثالثها: أنّه يجوز أن يكون هذا على معنى النّهي في المستأنف، ليس أنهم فعلوه؛ وذلك 59 س أنّه تعالى لم يقل: "قلتم ما لم تفعلوا"، فقد تطلق هذه اللّفظة على المستقبل؛ ألا ترى أنّك تقول لِمَن تنهاه عن أمرٍ يضرّه ولا ينفعه: يا أخي، لِمَ تفعل ما لا ينفعك؟! ولِمَ تتحمّل المشقّة فيما لا يجدي عليك؟! فيجوز أن يكون هذا نهيًا عمّا عزم عليه بعضهم، أو كان يحملهم المنافقون عليه من [بدل اللّسان بنصرة](1) وترك ذلك؛ فورد النّهي والتّوبيخ على ذلك، وليس لأحدٍ أن يقول هذه اللفظة للماضي دون المستقبل؛ لأنّ حقيقة المستقبل دون الماضي؛ وإنّما يراد الواقع دون المنتظر على سبيل المجاز.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:16]؛ قالوا: فقد أثبت لهم الإيمان، وإن كانوا غير خاشعين.
الجواب: قد بينّاه فيما تقدّم أنّ قوله ﴿آمَنُوا﴾ مشتّق من الإيمان اللّغوي دون الشّرعي؛ لأنّه تعالى لم يحكم أنّهم مؤمنون(2)، وإنّما قال: ﴿آمَنُوا﴾، وهذا