الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ١٢١اللّفظ يطلق على كلّ من فعل ما هو إيمان لغوي، تصديق وإقرار، وإذا كان كذلك سقط التّعلّق.
وجواب آخر: وهو أنّ هذا اللّفظ يستعمل في الحثّ والبعث على الأمر، وليس فيه نفي الأمر؛ ألا ترى إلى قولهم: ألم يأن لك أن تعطني؟ ألم يأن لك أن تفعل كذا؟ أي افعله، فالله تعالى بعثهم على الخشوع لذكر الله.
وجواب آخر: وهو أنّه يجوز أن يكون ذلك بعثا على توكيد الخشوع، وحثًّا على أن يزدادوا خشوعًا، كما قال تعالى لنبيّه - عليه السلام -: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:7] على توكيد الأمر في النّهي /60 م/ عن التّكذيب له.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَت﴾ [الحجرات:9] الآية، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10] الآية إلى آخرها؛ قالوا: فسمّاهم في أوّل القصّة مؤمنين، ثم كرر ذلك الإيمان، وأوجب المؤاخاة.
الجواب: إنّ نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِي﴾ [المائدة:54]، ولا خلاف أنّهم في حال الارتداد غير مؤمنين، وإذا كان كذلك؛ جاز أن يكونوا في حال الاقتتال غير مؤمنين؛ والدّليل على ذلك، أنّه أمر بقتال الفئة الباغية منهما؛ وقال النّبي صلّى الله عليه وآله: «سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر»(1)؛ وكيف يأمر الله تعالى بِقِتَال الذي سمّاه رسوله
- عليه السلام - كفرا؟! وأمّا قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10] فإنّما سمّاهم "مؤمنين" وأمرهم بالإصلاح بينهم بعد البغي والمراجعة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات:9]؛ ففي هذه الحالة سمّاهم "مؤمنين" وسمّاهم "إخوة".
فإن قيل: فما هذا الإصلاح بعد الفيء والمراجعة؟ قيل له: هل النّظر في الدّماء والجراحات وأروشها، والرّجوع إلى نفس الأمر الذي فيه اختصموا، وأعطي(2) كلّ ذي قسط قسطه، وفي تأليف القلوب وأشباه ذلك. وقيل: نزلت الآية في حَيَّيْن تراميا بالحجارة، وجاز أن يكونا مجتهدين في ذلك، 60 س ولم يلزمهما فيه ما أسقط عدالتهما، وأزال عنهما اسم الإيمان.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:178]؛ قالوا: فأوجب أن يكون المقتول أخًا للقاتل، وسمّاه به فوجب أن يكون مؤمنًا؛ إذ لا يجوز أن يكون أخ المؤمن غير المؤمن؛ لأنّه لم يُرِدْ به أخوّة النسب، وإنّما أراد به أخوّة الدّيانة.
الجواب: إنّ التّعلّق بذلك فاسد من وجهين؛ أحدهما: إنّ الآية لم توجب أنّ المقتول أخًا للقاتل، بل أراد أخ وليّ المقتول، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الذي قتل، أي من بذل له من أخيه المقتول مال وأعطي؛ أي: فليأخذه، وأخذه: هو الاتّباع بالمعروف. وثانيهما: إنّ الأخوّة لا توجب كونَه مؤمنًا؛ لأنَّ الله تعالى قد جعل المسلم أخًا للكافر؛ فقال تعالى: {وإِلَى ثَمُودَ
(1) أخرجه أحمد، رقم: 4178؛ وأبو داود الطيالسي في مسنده، رقم: 245؛ وابن أبي شيبة في مسنده، رقم: 361.
(2) هكذا في النّسختين. ولعلّه: إعطاء.