الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ١٣٥مسألة: ومن كتاب الإرشاد: وأمّا النّفاق؛ فأصله في لغة العرب: مأخوذ من نَافِقَاء(1) اليربوع أو أحد أبواب جحره، يتّخذه مستخفيًا يخرج منه عند الضّرورة، إذا خاف فأخفاه عن العيون؛ وفسّر أهل العلم أنّ النّفاق؛ هو: اختلاف السّريرة والعلانية، واختلاف القول والعمل، والمدخل والمخرج؛ وقد ذكر الله المنافقين في آياتٍ كثيرة مِن كتابه؛ وقد اختلف النّاس فيهم؛ فقال قوم: هم مشركون خالف قولهم اعتقادهم. وقال آخرون: خالف قولهم فعلهم؛ والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:88] الآية، وذلك أنّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بعضهم: القوم على حقيقة ما أنتم عليه، وهم إخواننا، وإنّما ثقل عليهم مِن الهجرة والخروج مِن الوطن؛ فهم مسلمون مؤمنون. وقال آخرون: بل هم مشركون؛ لتخلّفهم عن الهجرة، ولقعودهم بين ظهراني قوم مشركين، فأنزل الله /67 م/ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء:88]، فأخبر أنّهم ليسوا بمشركين ولا مؤمنين، ولكنّهم منافقون، وأخبر أنّه: ﴿أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾، وردّ على من سماهم مؤمنين أو مشركين، وسمّاهم الله تعالى: "منافقين"، ثمّ عاتب المؤمنين فيهم فقال: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء:88] الآية؛ فوقع العتاب هاهنا على من سمّاهم مؤمنين؛ ثم قال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:89] وإنّما مودّتهم أن يترك المؤمنون الهجرة كما تركوا هم؛ فيكفرون
(1) النَّافِقاء: جُحْر الضَّبّ، واليَرْبوع. وقيل: النُّفقةُ والنافِقاء موضع يرققه اليربوع من جُحره؛ فإذا أُتِيَ مِن قِبَل القاصِعَاء ضرب النّافِقاء برأْسه؛ فخرج ونَفِقَ اليربوع ونَفَق وانْتَفَقَ ونَفَّق خرج منه. لسان العرب: مادة (نفق).