الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ١٣٦كما كفروا؛ ثمّ قال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:89]؛ فقد انقطعت الولاية بين المؤمنين والكفّار حتّى يهاجروا في سبيل الله؛ ثمّ قال: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [النساء:89] الآية، فصحّ أنّهم قبل التولّي، لم يصدر منهم فعل يكونون به منافقين مِن ترك الهجرة؛ فمن أثبت النّفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال؛ فهو أقرب إلى الحجّة والمحجّة، إن شاء الله؛ لأنّهم استدلّوا بظاهر الآية، وقضوا بأنّ النّفاق في الأفعال؛ واستدلّ(1) مَن شَرَّكهم بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:75 - 77] الآية؛ قالوا: فلمّا أخبر عن الوعد باللّسان، وعقب النّفاق في القلب؛ علمنا أنّه أسلبهم الإيمان الذي يكون في القلب عقوبة، ولن يستقيم الإيمان والنّفاق في قلب واحد. وقال آخرون: قد يصحّ ويقاوم إيمان 67 س القلب؛ فإنّ هذا النّفاق دغل(2) وغشّ في قلوبهم إلى المؤمنين، والذّين قضوا بأنّ النّفاق في الضّمير يفسقون؛ لأنّهم لا يصِلون إلى الاعتقادات إلاّ بنصوص التّنازع، والذين قضوا بهذا؛ فلا يعدون عن أنفسهم أسباب الشرّ، لكنّهم هدموا قاعدة الخوف، وسهّلوا الطّريق إلى الجنّة؛ والذين قالوا: إنّه في الأفعال؛ عظّموا أسباب المخاوف؛ فهم أحزم، والصّحيح أنّه لا يستحيل تصرّفه في الوجهين جميعا، وقد جاء الحديث بذكر النّفاق في الأقوال والأفعال، كما قال - عليه السلام -: «أربع من كنّ فيه؛ فهو منافق حقّا، وإن صلّى وصام وزعم أنّه مسلم؛ من إذا حدّث كذب،
(1) ث: واستدلوا.
(2) هذا في ث. وفي الأصل: وغل. وفي لسان العرب: "الدَّغَل بالتحريك الفساد"، مادة (دغل).