الجزء 62
الجزء ٦٢ · صفحة ٢٥٢وإن جاءَ بِخلاف ما قُلته في الأثر؛ فكأنِّي لا أقوى على العمل به عزمًا، ولا أُبْطِلُه إخراجًا له من الحقّ في بعض الرّأي جزمًا، أَلاَ وإنّهم لقد اختلفوا فيمن له حقٌّ على معسرٍ قد أدانه منه على غير شرطٍ بينهما، وقد عجز المديون عن قضاء ما عليه من دَينٍ لغريمه، وكان الغريم؛ أعني صاحبَ الحقِّ عليه شيءٌ من الزّكاة أو مالٌ عنده؛ مرجعُه إلى الفقراء، فقال غريمه: أُريد منك يا فلان أن تُوَفيَنِي حَقِّي الذي عليك لِي وهو معسرٌ، بَيِّنٌ عنده عسره، فيقول: وأنا يا فلان كذلك مرادي ولكنّي مُعسرٌ ما عندي شيءٌ؛ لأَقْضِيَك إيّاه، فيقول له: إن حدث عليك بقدر ما تُوفي به هذا الحقَّ عن نفسك، أكنت تَقضيه؟ فيقول له: نعم، فأعطاه على هذا مِنْ /243/ زكاة ماله، أو مِمّا بيده من غير هذا للفقراء؛ فعلى هذا قد اختلفوا في ثبوت الاجتزاء بِما أخرجه إليه، فردَّه عليه. وقيل: لا يجزي عنه ذلك، وذلك من ماله، والزّكاة باقيةٌ عليه؛ لأنَّه من الحيل الفاسدة؛ إذ هُو لولا مالُه عليه أعطاه ذلك؛ فكأنّه قد أخرج ذلك في مصالح نفسه وماله، ولا سبيل له في الزكاة الواجبة عليه أن يخرجها، إلاّ في مصالح غيره حتّى تكون مقبولةً منه غيرَ مردودةٍ إن علم الله منه صدق النّوى، وقد احتجّ صاحبُ هذا القول بحججٍ يطولُ وصفها وتعديدُها. وقال بعضُ المسلمين بجواز ذلك والاجتزاءِ به، وقد أعانه على فكّ رقبته في ربق الدَّيْن، وقد جعل الله للغارمين نصيبًا من الزّكاة في ماله، وهذا قد صحّ منه أنَّه غارمٌ، وما أصحَّ حُجّة مَن علمه به علمًا يقينًا، وما أَبْيَنَ مَحجَّة في محاجّ الشّرع من هذا، وهذا هو الرّأي الأرجح عندي، والدّليل الأصحّ، والسّبيل الأوضح إذا صحّ ما أقول فيه من الشّرط؛ وذلك أن يكون هذا الغريمُ المعسر من أهل الصَّلاح دائنًا بِمَا عليه، مُجتهدًا في المسعى لفكاك ربقة الدّيون والتّبعات، غير مُقَصِّر ولا مُصِرّ، إلاّ أنّه لَم يُسعفه الزّمان؛ لكون الإمكانِ لوفاء