الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ١٨١وإنّما يتوجّه إلى تكذيب الرّاوي، وهذا بخلاف التّنزيل، فإنّه لو تُلي عليه آية من التّنزيل؛ فقال: ليس هذا كلام [الله] فقد أشرك؛ فيكون مشركا؛ لأنّ كلام الله لا يمكن أن يكون لم يقل ذلك في التّنزيل؛ وأمّا النّبي - صلى الله عليه وسلم - فقد ملئت الكتب من الرّوايات المينيّة(1) عنه عليه الصّلاة والسّلام؛ فلذلك لا يكون مشركًا بقلّة تصديقه للرّواية، وإنّما يكون مشركا إذا قال بخلافه مكذّبا له - صلى الله عليه وسلم -، وأصل قاعدته هذه ولكنّه لم يُحكِم أمرها، وخَلَطَ فيها، فإذا أردتَ معرفة الحقّ 91 س في جميع ما قاله، فأجري ذلك على هذين الأصلين: التّكذيب، أو التّأويل؛ فما كان على طريق التّكذيب للتّنزيل أو للرّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو شرك؛ وما كان ضلاله على سبيل التّأويل؛ فهو مستحل معنا، ومجتهد معهم؛ وما كان على طريق التّكذيب هو المستحلّ معهم، وهو المشرك معنا؛ فافهم الفرق في التّسمية دون الحكم.
ومراده حيث يقول: "كفرا" أراد إذا فعل ذلك على أنّه حلال له بغير تأويل إلاّ تكذيبًا، وكذلك معنا؛ ولكن نحو قوله: "لو تمنّى أن يكون الزّنا حلالا، وقتل النفس بغير(2) حقّ حلالا"؛ فعلى القاعدة الصّحيحة التي أصّلها لا يكون ذلك منه شركا(3)، ولا يكون مشركا؛ إذ ليس فيه تكذيب للتّنزيل؛ وكذا "لو تمنى ألاّ يكون نبيّ"؛ فما أراه أنّه يبلغ به [الشّرك]؛ لأنّه بذلك يشهد بنبوّة الأنبياء؛ وكذا "مَن تكلّم بالكفر، وضحك على وجه الرّضا بذلك"؛ فلا يكون مشركا في
(1) "المَيْنُ: الكذب، ومانَ يَمينُ مَيْناً كذب؛ فهو مائن؛ أَي: كاذب، ورجل مَيُونٌ ومَيّانٌ كذَّاب". لسان العرب: مادة (مين).
(2) هذا في ث. وفي الأصل: لغير.
(3) في النّسختين: شرك.