الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٢٠٠مسألة: ومنه: في قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:59]؛ أي: انفردوا -في قول الزَّجَاج- عن المؤمنين. وفي قول أبي العالية: تميّزوا. وفي قول السّدّي: كونوا على حدة. وفي قول مُقاتل: اعتزلوا عن الصّالحين. وفي قول آخر: انفصلوا؛ والمعنى واحد. وفي قول الضّحاك: إنّ لكلّ كافر بيتًا في النّار، يدخل ذلك البيت، ويُردَم بَابُه؛ فيكون فيه لا يَرى ولا يُرى أبد الآبدين؛ وأنا أقول في هذا الأمر: لهم أن يتميّزوا عن المسلمين كرها، لما أنتم له أهلٌ مِن الجزاء(1) في هذا اليوم: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:90]، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يس:60]، يعني ظاهر 101 س العداوة فاحذروه: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس:61]، أي: لا اعوجاج له فاتّبعوه، وما سواه فذروه؛ فإنّه طريق الدّين القويم الذي دلّهم عليه مِن بَعد أن قدّره لهم، مَرْكَبًا مِن بين فعل وترك، وأمرهم بالسير فيه، وأشار لقربه في حقّ من رامه منهم بهذا إليه فنكّره للتّعظيم؛ لأنّه طريق الفوز بالجنّة، والنّجاة من الجحيم؛ إلاّ أنّه قد أجمله في هذا الموضع؛ فذكره على وجه الإبهام، وأتى به في صورة الاستفهام، لما أراده بهم في خصوص من تقريع، لِمن أبى إلاّ أن يخالف في دنياه إلى ما أنزله إليهم من نصوص؛ فبقي على ما به من تضييع، لازما لإجرامه، تابعا لهواه، مصرّا على آثامه، التي أسلفها فيما خلا من أيّامه، فكان من حقّه أن يُوبَّخ بمثله على ما أَجْرَمَه؛ فأصرّ عليه من بطله، وأنّى لِهؤلاء في هذا الموقف على حال أن يجاوزوا، بلى في إقرار إلى قوله: نعم، في إنكار، فيمكن لهم أن يظهروه، وما لهم
(1) هذا في ث. وفي الأصل: الجزء.