الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٢٠١فيه من قوّة أن يجحدوه فينكر؛ وقد ختم حينئذ على أفواههم مع كثرة الشّهود في هذا اليوم المشهود تقديره؛ فأيّ عذر لكم يا عبادي في طاعة مَن دعاكم إلى عنادي؟! ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ أي: خلقا كثيرا، [﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾] [يس:62]؛ أفلا تعقلون ما كان مِن إضلاله لِمَن كان قبلكم مِن الأمم الخالية، حتّى هلكوا فأوردهم النّار الحامية، إلاّ مَن تاب مِن ذنبه فرجع إلى ربّه؛ أو لا ترون ما كان من عداوته لأبويكم، ومَكْره بهما؟! حتّى /102 م/ أخرجهما مِن جوار ربّهما، لا لشيء غير ما أكنّه في نفسه؛ فأضمره مِن عداوتهما، حسدًا لهما، أورثه(1) اللّعنة من الله طردًا له من رحمته، وأنتم بنوهما أورثكم العداوة منهما، حتّى أغوى منكم جمًّا غفيرًا أفلا تبصرون؟! هنالك ينقطع العذر؛ فتلزمهم الحجّة لعدمهم ما به يعتذرون.
وفي قول آخر لِمَن فسّره مِن أهل العمى، فزعم أنّه قد ظهر له فيه ما دلّه على تشريك أهل القبلة؛ فدان به ما أكفره؛ لأنّ معنى قوله: ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:60]، فيما عنده؛ أن لا تطيعوه، فكلّ مَن أطاعه في شيء، فقد عبده في دعواه التي أقامها محتجّا بدليل معناه، ومَن عبده فهو مشرك؛ نعم، لو صحّ له في الأصل، ما قاله مطلقًا فجاز أن يكون من العدل؛ ولكن قد ردّه عليه أهل العلم؛ لظهور باطله فيما عندهم بالجزم؛ لأنّ في طاعته الشّرك، وغيره من أنواع المعاصي، وأنا أقول بالحقّ فيها أنّه هو الدّاعي إليها، والمزيّن لها، والدّال عليها، ما كان منها في شرك، أو نفاق من العاصي، أو ما دونهما من زلّة لمؤمن تقي في غفلة؛ فكيف يجوز في كلّها أن تكون من الشّرك فيحكم به في أهلها؛
(1) في النّسختين: أوارثه.