قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٢٥٧

الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} [النساء:25]، فوسع لهم على ما يجري في ظاهر الحكم، ولم يكلّفهم علم ما غاب عنهم من بواطن القلوب، وإن كنتَ تريد أنّي مؤمن حقّا عند الله، فلا علم لي في ذلك؛ لأنّي إذا قلتُ: "مؤمن حقّا عند الله"، فقد شهدت لنفسي بالجنّة؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:4]، وأيضا إذا قال: "أنا مؤمن حقّا عند الله"، فقد زكى نفسه وخالف تقى(1) الله؛ لأنّ الله يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:32]، فلا يجوز لأحد أن يقول أنّه من أهل الجنّة؛ لأنّ ذلك مِن تكلّف علم الغيب الذي لم يجعله الله لأحد من عباده، إلا الأنبياء والمرسلين، والله أعلم.

مسألة: روي أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحارثة: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: مؤمنا، قال: «فما حقيقة إيمانك؟» قال: عزفت نفسي عن الدّنيا، فاستوى عندي حجرها وذَهبُها، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي 127 س بارزا، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة في الجنّة يتزاورون، وكأنّي أسمع عواء أهل النّار، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عرفت فالزم»؛ فقتل حارثة في بعض مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهيدا سعيدا؛ فلما قتل، جاءت أمّه إلى رسول - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله: إن يكن حارثة في الجنّة فلا أبكي ولا أبالي، وإن يكن غير ذلك فسترى ما أصنع؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا

(1) هكذا في النّسختين. ولعلّه: نهي.

٢٬٦٢٥ / ٣٦٬٧٥٥