الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٢٥٨أمّ حارثة أجنّة واحدة هي؟! إنّها لجنان كثيرة، وإنّه لفي الفردوس الأعلى»؛ فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة(1)، والله أعلم.
مسألة: وقيل: إنّ عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود اختلفا؛ فقال عبد الله بن مسعود: أنا مؤمن حقّا عند الله، وقال ابن عباس: أنا مؤمن حقّا عند نفسي، ولا أقول: عند الله؛ لأنّك إذا قلت: إنّك مؤمن حقّا عند الله، فقل: أنك في الجنّة؛ لأنّ الله يقول: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [الأنفال:4] الآية؛ فقال ابن مسعود: إذا لم تقل مؤمنا حقّا عند الله، فأنت شاك في إيمانك، والله أعلم.
مسألة: أبو محمد: إن سأل سائل فقال: أنت مؤمن؟ فقل: نعم، عند نفسي، وأمّا عند الله؛ فلا أدري، وإذا قلت: أنا مؤمن بغير شرط، فقد قطعت لنفسي بالشّهادة برضا الله عنّي، وقد نهى الله عن تزكية النّفس، وعنه - عليه السلام -: /128 م/ «لا تشهدوا لأنفسكم بجنّة ولا نار»(2)، ولا يجوز لأحد أن يقول لأحد مِن المخلوقين: إنّه من أهل الجنّة، ويعتقد ذلك دِينًا بحقيقة ذلك، إلاّ من صحّ له ذلك بكتاب الله، أو يشهد له بذلك رسول الله، أو نبيّ من أنبياء الله؛ لأنّ هذا من تعاطي علم الغيب، وأخاف أن يكون هالكا شاهدا بالزّور، حاكما بالجور إلا على اعتقاد الشّريطة إن كان مات على ظاهر ما صحّ له، وصحّت سريرته مثل علانيته؛ فهذا على الشّريطة لا الحقيقة، ولا يشهد لأحد بالجنّة إلاّ
(1) أخرجه بمعناه كل من: المروزي في تعظيم قدر الصلاة، رقم: 362؛ والكلاباذي في معاني الأخبار، ص 101؛ والبيهقي في شعب الإيمان، باب في الزهد وقصر الأمل، رقم: 10106.
(2) أورده الكندي في بيان الشرع، 2/ 171.