الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٢٦٤عليه وبه مؤمن حقًّا عند الله؛ فهذا على معنى الخبرة منه بما صحّ معه في نفسه؛ فكيف لا يجوز ذلك لابن مسعود ?، وهو الذي قد شهدت له بفضله شواهد الحجّة التي لا تغيّرها حجّة، وقضت له بذلك الشّهرة التي لا تدفعها شهرة؟! وكما وسعه هو ذلك، وسع غيره كذلك على وجه الخبرة بما علمه من نفسه في ظاهر أمره.
قلت له: فلو قال: إنّه مؤمن حقيقة، هل يجوز القول بذلك؟ قال: لا يبين لي /131 م/ أن يجوز ذلك له؛ لأنّ الحقّ ظاهر، وهو غير الحقيقة، وهما قد افترقا تسمية ومعنى، فأمّا الحقيقة فقد خفّى الله أمرَها على أكثر عباده، والمؤمن الحقيقيّ هو الذي صحّ له ذلك بحكم كتاب الله، أو على لسان من رسل الله ?، أنّه مؤمن أو أنّه سعيد، أو أنّه من أهل الجنّة، وبعكسه في الضّدّ له؛ فذلك هو المؤمن الحقيقيّ، وبعكسه للآخر، ولو أنّ هذا المؤمن الحقيقيّ أشرك بالله، أو نافق، أو كفر، وأقام على ذلك؛ فلا يسع إلاّ ولاية نفسه، والبراءة مِن فعله، وبعكسه، والحقّ الذي قد شهد به ابن مسعود بنفسه، لا يخرج إلاّ على معنى الحكم الذي ظهر له من نفسه مع الشّريطة له إن مات على ذلك؛ لأنّ الإيمان الذي استقام عليه أهله؛ فلا يمكن إلاّ أن يكون هو الحقّ عند الله، كذلك المستقيم عليه؛ فهو المؤمن حقّا عند الله، والشّريطة فيه إن قَبِله الله منه مع إخلاصه له، ويحتمل أن يكون قد صحّ لابن مسعود عنده مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يظهر مع غيره؛ فقال بذلك، ممتثلا لأمر الله حيث قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:11]، وأيّ نعمة أعمّ وأعظم منها؟! وهي القَارِية(1) والقاعدة
(1) القارِيَةُ: أسْفَلُ الرُّمْحِ. تاج العروس: مادة (قري).