قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٢٨٥

علم الله كونه، فهو كائن كان قد مضى كونه، أو سيكوّنه في وقته الذي أراده، وأما قول الله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا﴾ [القصص:83]، لا يدلّ على أنّها لم تكن الآن غير مخلوقتين؛ إذ(1) معنى نجعلها؛ أي: نجازي بها في وقت الجزاء، وإذا احتمل الكلام معانٍ مختلفة، وكلّها من الممكن كونه، ولا يخالف شيء منها السّنّة القائمة الحجّة بصحّتها، لم يَجُز أن تحمل على معنى واحد، وإبطال ما سواه، وقصة آدم - عليه السلام -، ليس فيها دليل قطعي تحقيقي؛ لأنّ جنّة آدم بنفسها قد اختلف العلماء فيها، هل هي الجنّة الأخروية، أم جنّة خلقها الله له واختصّها له، من جميع خلقه، ولزوجته حواء؟ وأكثر قول العلماء أنّها غير جنّة الخلد، 140 س ولا دليل في الذّكر الحكيم على أنّها جنة؛ إذ جنّة الخلد ليس فيها شيء حرام، ومن دخلها كان آمنا من الخروج؛ لأنّها دار الخلد؛ فلم تكن خُلدا لكلّ من دخلها؛ فقد خرج منها آدم، ولكلّ فريق حجج كثيرة، ولا فائدة في ذكرها؛ لأنّها لا تُفيد علما، ولا سبيل إلى القول فيها، حتّى تكون علمًا؛ لأنّه من الغيب، كما لا سبيل إلى معرفة الجنّة والنّار، أنّهما الآن مخلوقتان أَوْ لا، إلاّ ظنًّا وتخمينًا، وإذا كان على هذا؛ فكلّ من رأى في نفسه بدليل أنّه الأصحّ فقال به؛ جاز له، ما لم يدن به ويخطّئ من قال بخلافه في دينه، ولو كان علما بما تراه النّفس أصحّ؛ لقلتُ: إنّ الأصحّ معي فيما تراه نفسي، كأنها تميل إلى أنهما غير مخلوقتين الآن؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:88]، وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27]، ولا فائدة في خلقها، وإهلاكها، ثم خلقها ثانية، وما لا فائدة فيه، فالأصحّ أنّه غير معقول،

(1) هذا في ث. وفي الأصل: أو.

٢٬٦٥٣ / ٣٦٬٧٥٥