الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٠١ما يستحقّه، ولا يجوز أن يعذّبه وهو ميت؛ لأنّ ذلك خروج من المعقول، والميّت لا يألم، ولا يجوز تعذيب الرّوح على ما ذهب إليه بعضهم؛ لأنّ الرّوح لا تحسّ، ولا تعلم شيئًا بالانفراد، وإنّما الإنسان يألم ويحسّ بجسده، ويعلم /148 م/ ويشعر ما دام حيًّا، ولا يثبت القول بوجوب عذاب القبر؛ لأنّه ليس في ذلك إجماع ولا نصّ ظاهر، والذي روي في ذلك، فأخبار آحاد لا توجب العلم، والذي تعلّقوا به آيات:
فمن ذلك: قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:46،45]؛ قالوا: ولا يتأتّى تفسير هذه الآية، وعرض النّار عليهم غدوّا وعشيّا، إلاّ أن يعني به في القبر، ولا يجوز أن يريد به في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، وهذا غير عرض النّار عليهم.
الجواب: أنّه لا حجّة في ذلك؛ لأنّه تعالى لم يقل إنّ النّار تعرض عليهم، وإنّما قال: وهم يعرضون على النّار، وقوله ﴿النَّارُ﴾؛ تفسير لقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ ثم قال: ﴿النَّارُ﴾ على وجه التّفسير لسوء العذاب، ثم قال: هم يعرضون على النّار غدوًّا وعشيًّا؛ فأمّا قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾، فإنّما يريد به يوم القيامة، وذلك على وجهين:
أحدهما: إنّا بيّنا أنّهم يسمّون العاقبة باسم الابتداء، والابتداء باسم العاقبة، وهو كقوله تعالى: ﴿[إِنَّ] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النّساء:10]، وإنّما أكلوا ما التذّوا به في الوقت، ولكنّه يسمّى الابتداء باسم العاقبة.