الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧ومن كان ظالما كان هالكا، ومن كان هالكا فهو في النار. وهذا ما لا يجوز إطلاقه على هذه الأحكام بإطلاق القول فيها؛ لأن الزهد في المكروهات جائز العمل به، ولو رأى جوازها أقرب إلى الحق؛ مثلا أنه قبض على ثعلب ورأى أنّ حلاله أقرب إلى الحق، ولكن قال: أنا أطلقه ولا آكله لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا شك أنه من إضاعة المال، ولا شك أنه أفضل /141 م/ له ذلك، فلا يجوز أن يحكم عليه بالإثم والظلم والهلاك، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ من أمتي من يترك سبعين بابا من الحلال؛ خوفا أن يدخل في باب واحد من الحرام»(1). فلا يجوز لهؤلاء أن يحكم عليهم بالإثم والهلاك ما لم يحكموا في ذلك الحلال أو في أكله على ما جاز له بما لا يسعهم، ولا يصح قول هذين الشيخين إلا في موضع أن يكون المرء حاكما بين خصمين وَلِيَ حكومتهما، أو حاكما على نفسه في غيره مما يلزمه فيه الضمان، أو في الانتصار لأخذ حق من غيره، قيل: له، وقيل: لا، ويرى هو أنه ليس له، أو يكون الحق عليه، ويراه أنه عليه في صحة الرأي، ويعمل أنه لا عليه، وأمثال هذا لا على الإطلاق.
وكما جاز خلاف أبي سعيد وأبي نبهان في بعض هذا مما يجوز خلافهما، وصح فيه أن الأصح غير ما قالاه؛ وقد حكما بالتأثيم، وحكم أبو نبهان فيه بالهلاك، وأدخلا في لفظهما ممن لا يجوز تأثيمه ولا الحكم بالباطل؛ وهم أعلم من علمنا من علماء الإباضية، كذلك يجوز الخلاف لهما فيما يجوز؛ ولو حكم أحدهما على أحد بالهلاك، إذا أوجب النظر غير ذلك في نظر غيرهما. وكما لأبي
(1) أورده موقوفا على الصديق: أبو طالب المكّي في قوت القلوب، بلفظ: «كنا نترك سبعين باباً من الحلال مخافة باب واحد من الحرام»، وعبد الله الحضرمي في الكوكب الدري.