قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٠٣

قاض على المجمَل، محكوم عليه بحكم المفسّر، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان:56]، وذلك يوجب تناقض القرآن مهما فسّرت الآية على ما قالوه.

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ [يُرْزَقُونَ]﴾ [آل عمران:169] الآية؛ قالوا: فحكم بأنّهم أحياءٌ ونهى عن عَدِّهم في الأموات، وإذا كان كذلك؛ فأضدادهم من الكفّار يجب أن يكونوا في عذاب القبر.

الجواب: إنّه لا حجة في ذلك؛ لأنّا لو حكمنا أنّهم أحياء في الوقت، لم يلزم به حجة في عذاب القبر؛ لأنّ أضدادهم يجب أن يكونوا أمواتًا؛ وبعدُ، فإنّه خصّ بذلك الشّهداء، بأن يجعلهم أحياء، وهذا تمثيل لا تحقيق، وذلك لأنّه لا يخلو قوله ﴿أَحْيَاءٌ﴾ من أحد الوجوه الثّلاثة: إمّا أراد أنّهم إحياء في الوقت على ظاهر اللّفظ؛ أو يريد أنّهم يحيون يوم القيامة؛ أو أراد الإخبار عن شرف حالهم وفضلهم، فجعلهم كالأحياء؛ ولا يجوز أن يكونوا أحياء في الحقيقة في الحال؛ لأنّ ذلك يوجب كون جميع الأنبياء، ومن هو أفضل منهم، أو في مثل حالهم من المؤمنين، بل جميع المؤمنين أحياء في الوقت، والأمرُ بخلافه؛ ولأنّه قال ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ و ﴿عِندَ﴾ إنّما يوجب أن يكون في حكمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:19]؛ أي في حُكمه، وكذلك، قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:13]؛ 149 س أي في حُكمه، ولو كانوا أحياء في الحقيقة؛ لوجب أن يعني بـ: ﴿عِندَ﴾ مكانا لديه، ولا يجوز كونه في مكان بيناه، ولا يجوز أن يكون المراد به أنّهم يحيون يوم القيامة؛ لأنّ جميع النّاس، بَرُّهم وفاجرهم فيه سواء يحيون يوم القيامة، فلم يبق إلاّ أنّه أراد

٢٬٦٧١ / ٣٦٬٧٥٥