الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٢٩السمع وهو شهيد، وكذلك لاسيّما من البريّة، كلّ ذي مرتبة عليّة، من أرباب العقول؛ فإنّه على قدر الصّعود يكون النّزول، ومن نظر بعد بعين المعرفة لربّه، ولنفسه، ودنياه، وأخراه إلى قرب المسافة، صار في /162 م/ رجاه على مخافة، وطوبى لمن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النّازعات:41]. وإن تكن الأخرى، خسر الدنيا والآخرة؛ لأنّ من فاته عزّ العزيز، لخروجه عن الملجأ الحريز؛ فيصير إلى ذل مصيره، لقبح تقصيره، أو يظنّ أنّه يجد له من معين على دفعه في حين، وما له في الآخرة على قبح التّقصير، من وليّ ولا نصير، فَذَرِ الكبير، واحذَرِ الصّغير، وعجّل التّوبة الخلصاء من كلّ حوبة، ولا تقم على الإصرار، في شيء مِن الأوزار، وابك بعد المتاب، على ما كان منك من العصيان، عسى أن ينظر إليك مولى النّعمة، بعين الرّحمة، ولا تُصغِ إلى عذل مَن أراد بك غير العدل، ولا تلتفت إلى قول من ينكر، من فعل الصالحين ما لا يبصر، فإنّ الوجل من الله - عز وجل -، على قدر الألباب لا الزّلل، وإن طاب العمل لقصر الأمل، فَنَزِّه المولى عمّا لا يليق، وبالله التّوفيق، ولا تقولنّ ما ليس لك به علم، في نفس لشيء ولا إثباته، واعمل لله على الإخلاص طلب الخلاص، ولا تعمل حتّى تعلم، وإيّاك والأمن والقنوط، فإنّهما من التّفريط، الداعي إلى الهلاك، والعياذ بالله من ذاك؛ وإذا كان ما فيهما عن حكم الله؛ فَدَعْهما إلى ما بينهما، فإنّ في الدّين للنّاس طريقًا بين الأمن واليأس، هي طريق الرّشاد، لمريد السّداد، فلا تختر سواها، ولا تتعدّاها إلى ما عداها، وكن على حذر 162 س بالغ من غيرها؛ لعدم خيرها، وعِظَم ضيرها، فإنّ من ورائه العذاب المهين، مِن أمر ربّ العالمين، لِمَن لم يتب من العاصين، ولهذا مع الرّجاء عِظَم خوف العارفين؛ فصار ألم نار النّدم محرقا لفؤاد كلّ تقي لبيب من العباد،