الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٣٠عصى فتاب إلى الله ولم يصرّ مما كان منه خوف من البعاد؛ فكيف لا يورثه على هذا كون البكاء والنّوح؟! مثل داود ونوح، وغيرهما من كلّ وليّ، ذي قلبٍ زكيّ، وهم أعرف خلق الله تعالى بالله، وبالنفس، والشّيطان، والدنيا، والآخرة جميعا، وأعلمهم بالأمر والنّهي، وأدركهم لمرارة المعاصي، ولذاذة(1) الطّاعة، إنّي لا أبعد على هذا أن يكون منهم، ما قد حكي عنهم، وإن كان ذلك مِن الأنبياء على شيءٍ من الصّغائر؛ لأنّهم مُنَزَّهون عن فعل الكبائر؛ فإنّهم لقربهم، وعِظَم شأنهم عند ربّهم، لكثرة الاجتهاد، عن محض وداد، كامن بالفؤاد، وصحّة بواطنهم لطهارة قلوبهم، وتمكّنهم لصفاء أذهانهم مِن رؤية شؤم المخافة، بغير الحقّ، وإن كان فيما هو من الشَّعر أدقّ، ومن الماء أرقّ، يرونها على حال، كالرّواسي من الجبال، فيشمئزون منها وتقشعر جلودهم لذكرها، وقبح أمرها، وثقل إصرها، لا كمن يراها مثل ذباب وقع بأنفه فأطاره ثم نسيه، في موضع ما يكون الله محصيه، على من أتاه ليجزيه به شرا يخزيه، في يوم لا ظلم فيه، كلاّ، بل قد جَلاَ ألبابهم من /163 م/ العمى، بأنوار الهدى؛ فهم يرون الانحطاط عمّا كانوا عليه من المنازل العليّة، أعظم بلية، وأشدّ رزيّة، تقتضي كون العويل، في العمر الطويل، ضرورة لا يقدرون على دفعها، ولا الاحتراز منها، ولا التّحوّل عنها بعد كون المخافة المكدّرة لعين الصفاء، في حقّ أهل الوفاء، كلّما ذكروها تجدّد لهم بها تذكار ذنبهم، فأوى بهم خوفا من ربّهم؛ فاشتد لذلك الخشوع، وزاد السّجود والركوع، وكثر الحنين، فطال الأنين، وعلا الزّفير، لقوّة لواعج ضرامها في الصّدور،
(1) "اللَّذَّةُ: نقيض الأَلم، لَذِذْتُ الشّيءَ بالكسر لَذَاذًا ولَذَاذَةً؛ أَي وجدته لذيذًا" لسان العرب: مادة (لذذ).