الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٣٦الجواب؛ هو: إنّ الآية تدلّ على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأنّه /166 م/ ليست تنبئ عن أنّه كان كافرًا، بل توجب أنّه استدلّ، ونظر ليكون مِن الموقنين وموقنًا؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾، الآية؟ ونحن نبيّن الوجه في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:76+77+78]، بما يسقط به تعلّقهم؛ فأمّا معناها فيحتمل وجوها: أحدها: أنّ حالة تلك أوّل حالة نظره، والنّاظر يكون واقفًا بين الأمرين مرتابًا طالبًا، ولسنا نعتقد أنّ الأنبياء ? كانوا عارفين بالله تعالى ضرورة، بل كانوا مختارين مكتسبين للمعرفة، ولكنّهم لَمَّا حصلت لهم شرائط التّكليف العقلي، نظروا واعتبروا واستدلّوا، حتّى أدّاهم النّظر والاستدلال، إلى معرفة الصّانع، ومعرفة توحيده وعدله؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف:22] الآية، وقال أيضا تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء:51] الآية، إنّما أخبرتْ عن حال نظره، وابتداء الأمر في الاستدلال، وبيّن أنّه أراد ملكوت السّماوات والأرض، ليكون من الموقنين، يعرف بالتّعبير الدّال على الحدوث؛ حدوث الشّمس والقمر، وأنّها مصنوعة مخلوقة، وأنّ لجميع ذلك خالقًا لا يشبهها، ولا يجوز عليه التّغيير والزّوال؛ فقال عند ذلك: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام:79] الآية، حيث عرف أنّ جميعها مفطورة، وإنّما قال هذا على سبيل التّوسع في النّظر، وذلك لأنّ طريقة النّظر؛ هو أن يقول مثلا: العالم قديم، 166 س ثم يقول: القديم لا يتغيّر، والعالم يتغيّر؛ فهو إذًا غير قديم؛ وإذا كان على سبيل التّوسّع في النّظر، لم يلزمه تبعة في ذلك، ولذلك لم يوبّخه الله تعالى على ما قاله ولا ذمّه، ولا استغفر إبراهيم منه، بل ذكر الله تعالى عنه على سبيل المدح له، وأنّه أراد ذلك كي يكون من الموقنين.