الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٤٤ارتكباه بوسوسته، وهذا شبيه بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:160]، وقد علمنا أنّ المحرم عليهم لم يكن على سبيل العقوبة على ظلمهم؛ إذ لو كانت عقوبة لم يؤجروا على الانتهاء عنها؛ لأنّه لا يجب للمعاقب أجرٌ على فعل ما عوقب به، وإنّما علّق المحرّم عليهم بظلمهم، من حيث ورد التّحريم عقيب ظلمهم؛ فكان ظلمهم أوجب التّحريم، وهو أصلح لهم؛ فلمّا صار الظّلم كالسّبب للتّحريم جعله معلولاً به.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:45] إلى آخر الآيات؛ فزعمت الحشوية المفترية على الله ورسله أنّ ابنه كان لغير رشده، وأنّ امرأة 170 س نوح خانته في نفسها، وجاءت بولد مِن الفجور، واحتجّوا بقوله: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:10] الآية. وقالوا: نوح أذنب، حيث شفع في أمر مَن لم يكن ابنَه، وذكر أنّه ابنه فأذنب مِن وجهين.
الجواب: أن نُبيّن أوّلاً أنّ المذكور كان ابنه، ثم نُبيّن فساد تعلّقهم بالآية؛ فيما راموا إثباته، ثمّ نفسّر الآية.
فأمّا كونه ابنه؛ فالذي يدلّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود:42] الآية؛ فهل يجوز أن يقول ذلك، وهو ليس بابن له؟! فكان هذا محالا، والواجب أن يعلم أوّلاً: أنّ نساء الأنبياء ? لا يجوز أن يكنّ زانيات؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾، ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ [النور:26] الآية، وإن كان يجوز أن يكون نساؤهم من جملة الكفّار؛ لأنّ الكفر دِين، وليس بعيب في الدّنيا والدِّين، والزّنا لا يباح في دِينٍ