قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٤٨

فأمّا الجواب عن تعلّقهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:63] الآية، فعلى وجوه:

أحدهما: أنّه قال ذلك على تقريرهم بأنّه لم يفعله كبيرُهم، ولا على نفي الفعل عنه دون إثباته، مبكّتًا لهم في عبادتهم، ما لا يعقل شيئًا ولا ينطق، وذلك أنّ القائل يقول لِمَن فعل فعلاً: أنت فعلت كذا؟ فيقول: لا، بل فعلته أنت، مبعدًا أن يكون ذلك مِن فعله، ونافيًا عنه ذلك، ومثبتًا الفعل لنفسه، كأنّه يحيل أن يكون فاعلا له بحال، من حيث لم يكن ذلك إقرارا على نفسه في الظّاهر، حتّى لا يجدوا عليه حجّة، وبكّتهم بذلك، وأراد بذلك أنّهم إن اعترفوا بأنّه يفعل؛ سقط عنه لائمتهم، وإن اعترفوا أنّه لا يفعل احتجّ عليهم في عبادتهم، ما لا يعقل شيئا، ولا يضرّ ولا ينفع.

ووجه آخر: وهو أنّه يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله: ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ ثم يقول: ﴿هَذَا فَسْ‍ئَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء:63]، فيكون معناه، بل فعله كبيرهم، يعني نفسه؛ لأنّ الإنسان أكبر من كلّ صنم، وهذا من معاريض الكلام، ولذلك قال الرّسول - عليه السلام -: «إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب»(1)، وكان مراده في ذلك، ما ذكرناه مِن اعترافهم بأنّه فاعله أو غير فاعله، لتلزمهم الحجّة من وجهين، ولذلك قال: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء:64].

(1) أخرجه أبو الشيخ في الأمثال، رقم: 230؛ والقضاعي في مسند الشهاب، رقم: 1011؛ والبيهقي في الكبرى، كتاب الشهادات، رقم: 20843. وأخرجه موقوفا كل من: ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الأدب، رقم: 26096؛ والبخاري في الأدب المفرد، باب من الشعر حكمة، رقم: 857.

٢٬٧١٦ / ٣٦٬٧٥٥