قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٥١

المستقبل بلفظ الحال، قال الله تعالى: /174 م/ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر:30]، وليس يريد أنّهم في الحال لذلك، وإنّما أراد أنّك ستموت في المستقبل، وأنّهم سيموتون فيما بعد، ويجوز أنّه كان من سنّتهم أخذ الطّالع لاختيارات ما يريدون فعله، فأخذ الطّالع لنفسه يوهم أنّه يعمل على عادتهم في ذلك، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وكان مراده في ذلك في مستقبل عمره، وأوهمهم أنّه يسقم عن قريب؛ لكي يُخلو سبيله، فلا يخرجوه مع أنفسهم كي يتأتّى له ما يريده في أمر أصنامهم، ويجوز أنّه أراد به "إني سقيم القلب لِمَا أنتم عليه من عبادة الأصنام، وترك عبادة الله وحده"، عنى به إنّي مغتمّ، وذلك لأنّه يخبر عن الغمّ بلفظ السّقم، وعلى هذا فسّر قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:10]، وعني به أنّ في قلوب أهل الكفر والنّفاق غمًّا لما رأوا من نصرِ الله تعالى نبيّه - عليه السلام - وعلوّ شأنه؛ ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، يعني: غمًّا؛ لما ازداد نصرًا وعزًّا وتأييدًا؛ وإذا احتمل هذه الوجوه، كيف يجوز لمن يدّعي أنّه مسلم، مقرّ بنبوّته، يقول فيه ما يبطل نبوّته؛ لأنّه إذا جاز أن يكذب في ثلاثة أشياء؛ جاز أن يكذب في جميع أخباره؟ والله المستعان على سوء مذاهب الحشوية.

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:74] الآيتين إلى آخرهما؛ قالوا: وهل يجوز أن يجادل إبراهيم عليه 174 س السّلام ربَّه جلّ وعزّ في باب الكفّار وقد نهى الله نبيّنا عن ذلك؛ فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:107] الآية، وقال أيضا جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:105]

٢٬٧١٩ / ٣٦٬٧٥٥