قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٥٣

إيّانا عن الاقتداء به، وذلك بالاستثناء الذي عقب به عند الحثّ على الاقتداء به؛ لقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:4].

الجواب: الظّاهر لا تعلّق فيه وذلك؛ لأنّه تعالى لم يُعاتبه عليه، ولم يَنهَهُ عنه، بل بيّن عذره فيه، وغرضه(1)، وأنّه كان لموعدةٍ وعدها إيّاه؛ فأنجز وعده، وبعدُ؛ فلو كان ذلك لَتَاب منه، واستغفر على سنّة الرّسل ? عند تعاطيهم الصّغائر، وأمّا الوجه في الاستغفار لأبيه؛ فإنّ الاستغفار إنّما كان بعدَ أن كان يرجو منه الإنابة والرّجوع، فلمّا آيس من ذلك، ترك الاستغفار، والذي يدلّ على صحّته، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:114]، فهذا يُبيّنُ أنّه صلى الله عليه وآله وسلّم إنّما استغفر له قبلَ أن تظهر عداوته لله تعالى.

ووجه آخر: وهو أنّ اجتهاد إبراهيم - عليه السلام - كان مؤدّيا إلى جواز ذلك، شركا كان أو فسقا حتّى يرد مانع عن ذلك، وأكثر أصحابنا على جواز الغفران عقلا، كفرا كان أو غيره؛ فسقط التعلّق به، وأمّا نهي الله تعالى 175 س إيّانا عن الاقتداء به في ذلك؛ فإنّه لم يدلّ على كون ذلك معصية؛ لأنّا نهينا عن أشياء كثيرة مما كان مفروضا عليه، ولو كان ذلك معصية لأجل نهي الله إيّانا عنه؛ لوجب أن يكون كلّ ما نهانا الله عنه من شرائع من تقدّم نبيّنا - عليه السلام - ونسَخه معصيةً، وهذا محالٌ؛ فسقط التعلّق في كونه معصية.

ومن ذلك: ما قالوه في يوسف - عليه السلام -؛ فزعموا أنّه هَمَّ بالزّنا، وقعد من امرأة العزيز مقعد الرّجل من امرأته بين رجليها، حتّى تراءى له جبريل - عليه السلام - غير مرّة، في صورة أبيه يعقوب - عليه السلام -، وقال له: أنت تفعل هذا، واسمك مثبت في ديوان

(1) في النّسختين: عرضه.

٢٬٧٢١ / ٣٦٬٧٥٥