الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٥٤النّبوّة؛ وتعلّقوا في ذلك بقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:24]، وبقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:53].
الجواب: إنّه لا تعلّق له في الآيتين في ذلك؛ لأنّ قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾، قد بيّنّاه في الباب الأوّل؛ أنّ لفظ الآية يوجب نفي الهمّ عنه لِمَا يعقبه مِن الشّرط؛ وذلك لأنّ قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بمثابة قوله: "لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها"، وسواء قدّم الشّرط، أو أخّره؛ لأنّه ليس بعد الشّرط في الآية ما يمكن تعليق الشّرط به، ولابدّ من تعليق "لولا" بما به تقع الإفادة، وبيّنا هناك أنّ معنى الآية: أنّه لولا أنّه كان ممّن أبصر آيات الله، واهتدى بهذا لَهمَّ بها.
فإن قيل: /176 م/ فأيّ فائدة في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، لو لم يكن هناك همّ؟ قيل له: الفائدةُ في ذلك؛ الإخبار عن أنّ ترك الهمّ بها، وإجابتها إلى ملتمسها لم يكن مِن حيث كان غير راغبٍ في النّساء لِعجز، أو عِنَّةٍ، لكنّه ترك ذلك مِن حيث أبصر بآياتِ الله، واهتدى بهداه، فكأنّه ترك الهمّ بها لا لعجزه، ولا لأنّه كان غير مشتهٍ؛ فيكون غير ممدوح على تركه، بل تركه لأجل الله، وخوفًا مِن عقابه، مِن حيث أبصر بآياتِ الله وحُجَجِه؛ فعرف أنّ له صانعًا يُكافيه على ما يأتيه مِن خيرٍ أو شرٍّ؛ فاتّقاه واجتنب المعصية، والهمّ لأجله على أنّ لفظ الهمّ، وإن أطلق على يوسف؛ فلا يجب به إلحاق عيبٍ به، ولا إلحاق ذنبٍ؛ لأنّه لفظ مجمل، لا يوجب مَحمَدةً، ولا مَذمَّةً،