قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٥٧

فأمّا الدّلالة على براءة يوسف - عليه السلام -، فإنّ جميع من باشر تلك الأسباب، واستبطن تلك الأحوال، من بين زوج، وحاكم، ونسوة مَلِك، تشهد ببراءته جميعًا، وادّعى يوسف - عليه السلام - ذلك، واعترف خصمُه بِصدقِ ما قاله مرّتين، وشهد له بذلك ربّ العالمين، الذي هو أصدق الصّادقين، والعالِم بالغيوب والسّرائر، وقد اعترف بمثل ذلك إبليس.

فأمّا شهادة الزّوج ببراءة ساحته؛ فقوله لها: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف:28،29] الآية؛ وأمّا الحاكم فقوله تعالى حكايةً عنه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:26] 177 س الآيات إلى آخرها؛ وأمّا شهادة النّسوة فقولهنّ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ [يوسف:51]. وأما شهادة الملك فقولُه: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:54]، فأمّا ادّعاء يوسف - عليه السلام -؛ فقوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ [يوسف:26]، وكذلك قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:33]؛ فأمّا اعتراف الخصم له، فقولها للنّسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف:32]، وقولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:51]؛ وأمّا شهادة الله تعالى له بذلك، فقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِي﴾ [يوسف:23]، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:24]؛ فأخبر الله تعالى أنّه يصرف عنه السّوء والفحشاء؛ فوجب أن يكون همّ يوسف غير سوء ولا فحشة؛ وأمّا شهادة إبليس بذلك، فقوله تعالى حكايةً عنه: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:39،40]، فبيّن أنّه يغوي الكلّ إلاّ المخلصين، ويوسف

- عليه السلام - كان منهم؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:24]، فأيّ شبهة تبقى مع شهادة مَن ذكرنا في براءته، وبُعدِه مِن إتيانه الفاحشة، ونزاهته مِن العزم، على ما ذكروا أنّه عزم عليه، وهلاّ قبلوا من خصمه، إذا لم يقبلوا منه، وهو نبيّ صادق، وهلاّ صدّقوا أستاذهم إذا لم يصدّقوا خالقهم، ولكن الحشوية أبت إلاّ تكذيب /178 م/ مَن ذكرنا، ودفع أقوالهم، ولعلّهم يزعمون أنّهم أعرف بذلك مِن جميع مَن ذكرنا.

وبعدُ؛ فليس يخلو القوم أن يكونوا من حزب الله تعالى، -و [أبعد بهم](1) -؛ فليقبلوا قوله، وليصدقوه في خبره، وقد أخبر الله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:24]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:22]؛ أو يكونوا من حزب إبليس -فلا شكّ ولا ارتياب فيه- فيجب ألا يتخطّوه، وليقبلوا قولَه حيث استثنى المخلصين؛ فلم يقبلوا قوله أيضًا ويخطّئوا أستاذهم، ويقولوا على من اعترف أستاذهم إبليس، بالعجز عن إغوائه، ورموه بأشنع المقال، وأقبح الفعال، ولعلّهم اقتدوا، حيث يقول في ذلك بالجبررزي(2) حيث يقول:

وكُنتُ امرأ من جند إبليس فارتقى … بي الأمرُ حتّى صار إبليسُ مِن جُندي

(1) في الأصل الكلمة من غير نقط. وفي ث: العدبهم. من غير نقط الباء.

(2) هكذا في النّسختين، ولم أجد من نسب هذين البيتين إليه، ويوجد من نسبهما إلى الجزوري ولعله المقصود؛ ينظر: التفسير المنير، محمد بن أحمد الشربيني، دار الكتب العلمية، بيروت، 2/ 111، ويوجد من نسبهما إلى الخوارزمي؛ ينظر مثلا: تفسير فخر الدين الرازي، 18/ 120.

٢٬٧٢٥ / ٣٦٬٧٥٥