قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٦٢

الله تعالى أحسم لدأبهم، وأقطع لِشغبهم(1)؛ فلا تعلّق في ذلك بتوبة موسى - عليه السلام -؛ لأنّ العادة قد جرتْ مِن الصّالحين بِالبِدارِ إلى التّوبة، عند حدوثِ ما حَدَثَ في ذلك الوقت مِن الزّلازل والصّواعق وأشباهه، وليست كلّ توبةٍ تكون عن ذنب، ويجوز أن يكون إنّما تاب مِن حيث سأل الرّؤية عنهم ولهم مِن غير إذنِ الله له في ذلك السّؤال؛ لأنّ /180 م/ الأنبياء ? ليس لهم أن يسألوا شيئًا بمشهد القوم إلاّ بإذن الله؛ لأنّه يجوز أن يكون في ضمن ما سأل مفسدة لا يجوز في الحكمة الإجابةُ إليها؛ فيؤدّي ذلك إلى التّنفير منه، ولذلك قال الله تعالى: لنبيّه - عليه السلام -: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:23،24]: يعني إلاّ أن يأذن الله لك فيه، ويأمرك به على ما بيّنّاه في باب المشيئة؛ فسقط التعلّق به.

وأما الوجه الثّاني: وهو أنّ نفي الرّؤية يُعرف مِن طريق العقل والسّمع؛ فيجوز أن يكون ذلك حال نظر موسى - عليه السلام - في الرّؤية، هل يجوز على الله تعالى أم لا يجوز؟ فسأل ذلك موسى - عليه السلام - سؤالَ مسترشدٍ، طالبٍ للوقوف عليه مِن جهة السّمع، وحالة النّظر في ذلك خلاف سائر الأحوال.

فأمّا الوجه الثّالث: فإنّ الواجبَ أن تعلم أنّ في الآية حذفا؛ لأنّه قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ ولم يُبيِّن ما الذي أن يُريَه، فالمسؤول رؤيته محذوف؛ فيجوز أنّه إنّما سأل أن يريه ما به يعرف ربّه معرفة ضروريّة، تزول معها الشّكّوك، ويرفع عندها اعتراض الخواطر؛ فيكون معنى قوله: ﴿أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:143] أي: أتحقّقك

(1) في النّسختين: لشعبهم.

٢٬٧٢٩ / ٣٦٬٧٥٥