قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٦٥

ذلك لِفرط الدّالّة والخصوصيّة، 181 س ولو قال غيرها مِن الأجانب؛ لكان غير بعيد مفارقته للإيمان؛ فموسى - عليه السلام - إنّما فعل ذلك لشدّة ما يُداخله مِن الغضب لعبادتهم العجل؛ فعاتب أخاه على مقامه بين ظهرانيهم، وتركه اللّحوق به، وليس ذلك مما يُتعلَّق به في كونه معصيةً، يدلّ على ذلك أنّ الله تعالى عاتب أنبياءه على الصّغائر، وينهاهم عنها، واستغفر الأنبياء منها؛ فلو كان ذلك معصية لما ترك الله معاتبته، ولا ترك موسى الاستغفار والتّوبة، ولا جاز لهارون ترك بعثه على ذلك، وإنّما سأله هارون ترك أخذ رأسه ولحيته كي لا يشمت به الأعداء، ولو كان ذلك معصيةً؛ لنهاه هارون عن ذلك، على ذلك السّبيل، دون أن ينهاه عنه كي لا يشمت به الأعداء.

ووجه آخر: وهو أنّه يجوز أن يكون موسى إنّما أخذ برأس أخيه ولحيته، لترك اللّحوق به توبيخًا لِمَن عبد العجل، فإنّ المعاقِب ربّما قد يعرض في مثل ذلك عن أهل الجرم، ويُقبل على توبيخ مَن حضره، تعظيمًا لذلك الذّنب، وذلك يبلغ مِن المجرم(1) ما لا يبلغ أشدّ نكير يحلّ به؛ فموسى - عليه السلام - لَمَّا أخذ برأس أخيه ولحيته توبيخًا له في المقام، حيث عبدوا العجل، صار ذلك مِن أشدّ ما يحلّ بالمتعاظنين(2) وَأَجَلُّ زاجرٍ للمجرمين؛ ألا ترى أنّه ابتدأ بالقوم، ثمّ بأخيه، ثم أقبل أخرى على السّامريّ، /182 م/ وكلّ ذلك يكون أهول عنده وأخوف له.

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ [ص:21،22] الآية، إلى آخر القصّة؛ قالوا: إنّ داود عشق

(1) في النّسختين: الجرم.

(2) ث: المتغاظنين. وفي ط: المتغاضبين.

٢٬٧٣٢ / ٣٦٬٧٥٥