قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٦٨

النّبي - عليه السلام - مِن إيذاء قومه إيّاه، وافترائهم عليه، وما يتمنّون من المحالات(1)؛ فأيّ تعلّق بين ما ذكره من هذه القصّة، وبين سؤالهم إيّاه تعجيل قطّهم وأمره بالصّبر على ذلك؟! وهل بين ما قالوه وبين ما أمر به من ذكر قصّة داود ملاءمة أو تعلّق بحالٍ؟!

وسابعها: إنّ الله تعالى وصف داود - عليه السلام - في ابتداء القصّة بأوصاف حميدة تُبايِن ما نسبوه إليه، وأضافوه إليه، فسمّاه "أوّاها" وأنه "أتاه الحكمة وفصل الخطاب"، و"ذا الأيد"، وأخبر بشدة ملكه؛ فلو كان ما ذكروه، على ما ذكروا؛ لكان مثاله من يقول: فلان رجل صالح عفيف زاهد، لكنّه يعمل بالكبائر!

وإذ قد بيّنّا فساد ما ذكروه، وأنّ ظاهر القرآن لا يقتضي ذلك؛ نعود إلى ذكر ما في القرآن، وبيان معانيها، ليتّضح بذلك صحّة ما قلناه، فنقول -وبالله التّوفيق-: إنّ مبتدأ 183 س السّورة حكاية أقوال الكَفَرَة، في تعجّبهم مِن دعاء النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وحدانية الله تعالى، وخلع الأنداد؛ فقال حاكيا عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْألِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:5]، ثمّ أتبعهم بإنكارهم نبوّته، وأن يكون قد خصّ من بينهم بالرّسالة، وسائر ما أتبع ذلك، إلاّ أنّ ذكر ما اقترحوا عليه مِن أن يعجّل لهم قطّهم قبل يوم الحساب؛ فعند ذلك قال: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص:17]؛ فأخبر عن الكفرة باستعجالهم العذاب قبل يوم القيامة، جرأةً منهم على الله تعالى، وتكذيبًا لمحمّد صلى الله عليه وآله؛ فشقّ ذلك كلّ المشقّة؛ إذ كانت مِن عادتهم الشّفقةُ على كافّة خلق الله تعالى؛ فقال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾، واستعبده

(1) في النّسختين: المخالات.

٢٬٧٣٥ / ٣٦٬٧٥٥