قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٦٩

بالصّبر، والاقتداء في ذلك بداود - عليه السلام -، ثمّ بِسليمان، ثمّ بِأيوب، ثمّ سائر الأنبياء ? الذين ذكرهم في هذه السّورة، ولو فكّر في هذا مفكِّر؛ أيقن وعلم جلالة عادة داود - عليه السلام - في الصّبر؛ لما استعبد به محمّدا - عليه السلام - مع جلالته وعِظَم قدره بالقدوة، وقد كان الله تعالى استعبده بالاقتداء به مجملا، في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:35]، وداود - عليه السلام - منهم، ومعنى العزم؛ أنّ له أن يقتل وينتصف ويحارب؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ /184 م/ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:159]؛ فعزمه عزم القتال، وقال بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص:17]، مادحًا له مُثنيًا عليه بالجميل؛ وذلك لأنّ من سنّة الله تعالى إذا أراد أن يذكر متشابها، أن يقدّم أمام ذلك مقدّمة؛ تدلّ على المراد بالمتشابه، ومنها تمكّن فساد قول المحرّفين لكتابه(1)؛ فقال تعالى في مدائحه: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص:17]. والأيد: هي القوة؛ فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ﴾ [الأحقاف:35] داود - عليه السلام - وكان ذا قوّة شديدة، وكان له العزم، ولم تمنعه مانعة في الانتصاف لوجه من الوجوه؛ إذ السّبيل إلى الانتصاف: إتيان القوّة والعزم، وإنّما وصفه بأنّه كان ذا الأيد ليس بِوَانٍ، وأنّ صبره لم يكن عن عجز، بل عن قدرة وتمكّن من الانتصاف والانتقام، ثمّ قال تعالى أنّه كان أوّابًا؛ فبيّن أنّه مع قدرته على الانتصاف وإباحة الله تعالى له ذلك، لم ينتصر مما جني عليه، وكان أوّابًا؛ فكيف يستجيز مُدَّعٍ أنّه من أهل الإسلام، معترف بنبوّة داود - عليه السلام - مُقِرٌّ بصحّة الكتاب، وكونه معجزةً أن يقول مع ثناء الله تعالى عليه بما أثنى: إنّه أقدم على فسق فظيع، وقد سمّاه الله تعالى أوّابًا، والأوّابُ هو الرّاجع

(1) هذا في ث. وفي الأصل: الكتابة.

٢٬٧٣٦ / ٣٦٬٧٥٥