الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٢وَاحِدَةٌ} [ص:23]، فإنّما أخبرا بالنّعاج عن النّساء، وليس في اللّغة وقوع اسم النّعجة على النّساء، ولم يعبّروا بها لا حقيقة ولا استعارة، ثمّ قال: ﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) [إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)] قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص:22 - 24]؛ فاستثنى داود - عليه السلام - المؤمنين مِن جملة الباغين إنابة، وإشارة إلى أن من ظلم، ليس بمؤمن مطلقا، ولو كان داود فاعلاً لمثل ذلك؛ لكان باغيًا خارجًا عن جعله المستثنى؛ وذلك يوجب كونه غير مؤمن، ومحال أن يكون نبيّ غير مؤمن، ثم قال: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص:24]، والفتنة: الامتحان والابتلاء على ما بيّنّاه في غير موضع؛ فعلم أنّه مُمتَحن بما وقع إليه، وبإشكاله؛ فلم يعمل على ظنّه من أنّ ظاهر الحال كان ما ذكرناه، ولم ينتقم مِنهم مع كونه ذا أيد وقوّة، مطلق له الانتصار والانتصاف، بل هو عاد إلى ما هو أليق /186 م/ به وشاكله مِن الاستغفار للقوم الذين قصدوه، والشّفاعة لمن اغتالوه، ومسألة الله العفو عنهم، وذلك؛ لأنّ الله تعالى لم يقل أنّه أذنب، ولا أنّه استغفر لنفسه، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص:25]، يعني: غفر لداود جرم أولئك، فأعطيناه ما طلب، وأشفعناه فيما استشفع، ولم يقل غفرنا ذنبه، إنّما قال: غفرنا له ذلك، فالواجب أن ينظر في السّورة، ما هذا المغفور، ومَنِ المذنب؟ وليس في القصّة أنّ داود - عليه السلام - أذنب بوجه من الوجوه، وإنّما فيه: أنّ القوم تسوّروا قصره بغير إذنه، ولذلك(1) فزع
(1) هذا في ث. وفي الأصل: كذلك.