الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٣منهم، والغفران راجع إلى ذلك، دون ما ليس في القرآن منه قليل ولا كثير؛ فأما ما يدّعيه القوم ويذكرونه فشيء خارج عن القرآن، وإنّما هي قصّة تقولها اليهود على داود، وأخذ ذلك عنهم هؤلاء المفترون على الله ورسله، ولا احتجاج لمثل تلك القصّة، إذا لم يوافق القرآن، ولم يدلّ على شيء منه لفظُ القرآن، وقد بيّنّا مخالفة تلك القضيّة للقرآن، وخروجه عن عظة القرآن، وآدابه إلى إبطال ما قدّمه تعالى من مدائح داود - عليه السلام - أمام هذه القصّة، وقد دلّت أيضا دلالة العقل على فساد ما تقوّلوا عليه؛ فلا تعلّق للقوم في هذه القصّة بشيء يوجب ذنبًا، أو يلحق به جرمًا، إلاّ قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ 186 س رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:24]، وقد بيّنّا فيما تقدّم: أنّه ليس كلّ استغفار يكون عن ذنب، وقد روي عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «إنّي أستغفر الله في اليوم سبعين مرّة»(1)، والمؤمنون مجمعون على الاستكثار من الاستغفار؛ فلا تعلّق في ذلك بكونه مُجرمًا أو مُذنبًا، على أنّا قد بيّنّاه أنّه استغفر للقوم، لا لنفسه، وقد يجوز أن يستغفر الإنسان لغيره، كما قال بنو يعقوب لوالدهم يعقوب - عليه السلام -: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ [يوسف:97،98] الآية، وكذلك قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص:24]، أراد به استغفر للقوم لا لنفسه الدّاخلين عليه؛ فغفر له ذلك، يعني: غفر لأجل داود - عليه السلام - ذنب أولئك، ولهذه الفضيلة التي خصّ بها داود لحالته لأفضل منازل البشر، بعث نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء به في الصّبر بقوله: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا
(1) أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن، رقم: 3259. وأخرجه بلفظ قريب كل من: البخاري، كتاب الدعوات، رقم: 6307؛ وابن ماجه، كتاب الأدب، رقم: 3816.