الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٤الْأَيْدِ} [ص:17]، وقد تأدّب النّبي - عليه السلام - بهذه العادة يوم حنين(1) لَمّا هشمت ثناياه، قال: «إلهي لا تؤاخذهم فإنّهم جاهلون»(2)، ولما استعملوه كذا داود - عليه السلام - من هذه الفضيلة التي حكم محمدا، حكم بالاقتداء به في ذلك؛ خلع عليه خلعة نفيسة؛ فجعله خليفة في الأرض التي هي أشرف منازل البشر، ولو كان مذنبا لذلك الذنب العظيم؛ /187 م/ لَمَا استحقّ المثوبة لأعلى المراتب، وأسنى المطالب، وبعث أفضل البشر بالاقتداء به.
ووجه آخر: لاستغفاره - عليه السلام - وهو: أنّ الأنبياء ? متى ما دهمهم خَطْبٌ، أو نزل بهم مكروه، يرجعون فيه باللّوم على أنفسهم، ويتبادرون إلى التّوبة والاستغفار، خوفًا مِن أن يكون بَدرَ مِنهم ما يوجب المحنة، ولا يُنَزّهون أنفسهم عن الاجترام؛ فداود - عليه السلام - جرى على منهاج الصّالحين البررة، وسلك سبيل المتّقين، وبادر إلى التّوبة والاستغفار، وقد يكون الاستغفار من غير ذنب، كما قال الله تعالى لنبيّه - عليه السلام -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:1]، إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:3]، ومجيء النّصر والفتح يجري مجرى الثّواب، فلا يجب منه الاستغفار.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص:30،31]؛ قالوا: إنّه اشتغل بعرض الخيل عليه عن صلاة العصر حتّى غربت الشّمس، فلمّا تذكّر أمر بقطع
(1) هكذا في النّسختين. ولعلّ ذلك اليوم هو يوم أحد.
(2) أخرجه بلفظ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» كل من: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم: 3477؛ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم: 1792.