قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٧٥

أيدي الخيل وأعناقها؛ فزعموا: أنّه أذنب، ثم جعل توبته قطع أيدي ما لا ذنب له في ذلك وأعناقها، على سبيل المُثلَة المنهيّ عنها.

الجواب عنه: لا تعلّق لهم في القصّة بحالٍ، وذلك لأنّه ليس فيها ذكر ذنب اقترفه، ولا عتابٌ 187 س من الله وَرَدَ عليه، ولا استغفارٌ منه التجأ إليه، ولأنّ ما يدّعونه من نسيانه صلاة العصر؛ فشيء لا ذكر له في القرآن، ولا دلالة عليه، ومن أين قالوا: إنّ صلاة العصر كانت عليه مفروضة، هل بذلك كتاب ناطق أو خبر صادق؟! ومن أين قالوا: إنّه اشتغل عنها بعرض الخيل؟! فإن ادّعوا ذلك من قبَل قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص:32]؛ فليس في اللّغة أن يقال: أحببت كذا عن كذا، إني اشتغلت به عنه، وكذلك ادّعاؤهم أنّه نسيها حتّى غابت الشّمس؛ فليس للشّمس في الآية ذكر.

وأمّا الكناية في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:32]، فراجعة إلى الخيل، ولا يجوز رجوع الكناية إلى غير مذكور متقدِّم ومعلوم لا يذهب التّوهم إلاّ إليه، ولا يمكن ردّها إلا إليه.

وبعدُ؛ فإنّه قال: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ [ص:31]، والعشيّ: إنّما يكون بعد غروب الشّمس، ولذلك يُقال لصلاة المغرب صلاة العشاء الأولى، ومما يدلّ على فساد تعلّقهم بالآية سوى ما ذكرناه وجوهٌ؛ منها: ما بيّنّا أنّه تعالى إذا أراد الإخبار عن شيء بلفظ متشابه، قدّم أمامه مِن المحكمات ما ينبئ عن معنى المتشابه، ليبطل بذلك تحريف المحرّفين لكلامه عن مواضعها؛ فالمؤمن يجعل المحكم أصلاً يبني عليه تفسير المتشابه، والزّائغ القلب يعرض عن المحكم، ويتعلّق بالمتشابه، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ /188 م/ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل

٢٬٧٤٢ / ٣٦٬٧٥٥