قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٧٧

وأعناقها أي ضربتها، وإنما يقال: مسح مقرونا بالسّيف، فإذا ترك ذكر السّيف، لم يعقل منه الضّرب والقطع، وعلى أنّ قولهم مسح عنقه بالسّيف في الإخبار عن ضرب العنق مجازا، أو استعارة؛ فمتى ما أسقط السيف منه، رجع إلى أصله، ولو كان معنى مسح بسوقه وعنقه أي: ضربها، لكان للقائل إذا قال: مسحت برأس فلان أو يده؛ كان معناه أي: ضربتها، ولكان معنى قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:6]، أي: اضربوها، وهذا محال.

فقد تبيّن فساد تعلّقهم بهذه القصّة فيما اقتصّوه ووصفوه، على أنّا قد بينّا: أنّه من جملة الأنبياء، الذين ندب الله تعالى نبيّه إلى الاقتداء بهم في باب الصّبر، فلا يجب أن يكون من هؤلاء الأنبياء من يباين الصّبر، فإذا قد تبيّن فساد كلامهم، وظهر بطلان تعلّقهم بهذه القصّة؛ فنحن نفسّرها على ما توجبه قضيّة اللّغة، ويوافق الكتاب والعقل؛ فنبين بذلك عوار كلامهم، وتحريفهم لكتابه، وبراءة ساحة سليمان فيما راموه؛ فنقول -وبالله التّوفيق-: إنّه تعالى قال في مبتدأ القصّة: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:30]، فبيّن أنّه هبة، وهبة الله لا تكدير فيها؛ /189 م/ لأنّه إنّما خصّه بهذه اللّفظة تعظيما له، وبيّن بها عن أن يلحقه عيب، ثم أخبر أنّه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ حُكما بتًّا، وخبرًا مطلقًا، ومَن وصفه بمثل هذه الصّفة يتعالى أن يرتكب ما لا يرتكبه أحمق الخلائق، ثمّ أخبر ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وقد بينّا أن معناه الرّاجع إلى الله تعالى في أفعاله، وأقواله، وكيف يكون أوّابًا من فعل ما ذكروه من السّفه والذنب؟! وقد بيّن أنّه أوّاب في الوقت الذي عرض عليه الخيل، وهو وقت العشيّ، فقال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص:32]، يريد بالخير: الخيل، والعرب تكني عن الخيل بلفظة الخير، كما يكنى عن الإبل بلفظ المال؛ فمعنى {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ

٢٬٧٤٤ / ٣٦٬٧٥٥