الجزء 06
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٨عَن ذِكْرِ رَبِّي} عني به عن أمر الله تعالى إيّاي باتّخاذها وارتباطها، وحبّه(1) إيّاي على ذلك، وهو كما قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:82]، يعني: بأمري، يقال: فعل كذا عن أمر فلان، أي: بأمره، فبيّن سليمان - عليه السلام - أن محبّته للخيل ليس لرغبة فيها، ولا لحرص على الدّنيا، ولا لأجل التّزيّن بها، ولكن بأمر الله وترغيبه إيّاي في ذلك أحببتها، واتخذتها، وكان هذه اللفظة: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:32]، يعني لما حجبها عن بصره؛ فقال ردّوها عليّ، فلمّا ردّت عليه؛ ظلّ يمسح أعناقها، وأسواقها بيده تواضعًا منه لقيامه على الخيل، ومسحه أعناقها وسوقها بيده، تشريفا 189 س لها، وإبانة(2) لكرمها وفضلها، وامتثالا لِمَا أمر الله به مَن اتّخاذها، وحثًّا على ذلك، ولأنّه أراد بذلك إلى تبيين أنّه من السّياسة والبصر بأحوالها، وحفظها(3)، ما لا تخفى عليه شيء من أسباب مملكته، وأنّه يشارف كلّ ذلك بنفسه، حتّى أنّه يبحث عن عيوب الخيل وغيرها بيده دون الاعتماد على غيره، كما أخبر عن تفقّده الطّير، فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل:20]، فلم تخف عليه غيبة هُدهُد مِن بين الطير أجمع، لِتيقّظه وتعرّفه أسباب مملكته، ومهما تفكَّر المنصف في قصّة الهدهد، وقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل:21]، كيف كان توقّفه على عقوبة طير، وانتظر إتيانه بحجّة، ولم يستعجل بعقوبته، مع مفارقة حضرته من غير أمره، ويعرف أنّه لم يكن ليعاقب