قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 06

الجزء ٦ · صفحة ٣٨٠

قلناه؛ على أنّ ما تعلّقوا من قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص:34] الآية؛ فلا تعلّق في ظاهره؛ لأنّ الجسد ما لا روح له، ويقال أجساد وأرواح، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء:8]، يعني: أمواتا، وقال في صفة العجل: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا /190 س لَّهُ خُوَارٌ﴾ [طه:88]، عني به مواتا لا روح فيه، وإذا كان كذلك سقط تعلّقهم بالظّاهر.

وأمّا معناها: فإنّ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص:34]، إنّما هو معطوف على القصّة المتقدّمة، وهما معطوفان على قصّة داود، حيث أمر النّبي صلى الله عليه وآله بالاقتداء به؛ فعطف على ذلك قصّة سليمان؛ فالواجب أن يعلم أنّه ممتحن بمن أخرج منها سابقا، وقام بها فاصلا لم يلحقه في ذلك عيبٌ، ولا مذمّةٌ، وذلك أنّ الفتنة؛ أصلها تخليص الشّيء من الشّوائب، وتصفيته من الأقذار، وهو مأخوذ من قولهم: فتنت الذّهب، إذا استخرج ما فيه من الخبث؛ ليبقى خالصًا، ومن ذلك: قوله تعالى لِموسى - عليه السلام -: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:40]، أي: خلصناك، وهديناك بِهَديِنا(1)؛ فالله تعالى يمتحن عباَده في كلّ وقتٍ، وفي كلّ حال بمحن تخلّصهم، وأحوال تهديهم، لا محنة تعرّف لِمَا لا يكون منه؛ لأنّه العالم بما كان ويكون، وبما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وبما يكون لو لم يكن كيف كان يكون، وكلّ مَن كان عنده أعلى منزلةً، كان تعريضه إيّاه للمحن الصّعاب أكثر ترسّخًا لِمَا يريد رفعه إليه؛ فالله تعالى امتحن سليمان ببعض محنه، كما فعل بسائر أنبيائه، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى

(1) ث: بهدانا.

٢٬٧٤٧ / ٣٦٬٧٥٥